نكتب كثيرًا، نحذف أكثر، ونؤجل ما يجب إنجازه.. لا لأن الأفكار تنقصنا، بل لأن «المزاج» يتصرف في حياتنا كما لو كان صاحب القرار الأخير.
منذ فترة وأنا أحاول كتابة مقال مكتمل، وفي كل مرة أصل إلى نهايته، أجد نفسي مقتنعًا بحذفه بدلًا من نشره، ليس لأن المقال سيئ، بل لأن المزاج «أسوأ من المقال نفسه».
لهذا صرت أُفضل حذف المقال مبكرًا، توفيرًا لجهد المحرر، وحتى لا نصطدم – أنا والمقال – بجملته اللطيفة، والشهيرة بالنسبة لي أكثر من شهرة رقصة ترامب: «مرحبًا بك، المقال غير مناسب للنشر».
أعتقد أن هذا التقصير لا يعود إلى شحّ الأفكار ، فالموضوعات في بلداننا – اللهم صلِّ على النبي وعيني عليها باردة – لا تنتهي. بل على العكس، نحن نعيش وفرة من نوع خاص، وفرة في «قال وقيل»، وانشغال دائم بما لا يعنينا، واهتمام مبالغ فيه بما يعني الآخرين، حتى أصبحنا مشغولين طوال الوقت، دون أن ننجز شيئًا يُذكر.
وعلى سبيل الذكر، والحشر أيضًا في مصعد واحد، حُشرتُ فيه أنا وزوجتي، وثالثنا جارتنا المسنة.
كانت حشرة خارج مزاجنا، لا يشبهها إلا تلك الحشرة التي تصحو عليها من نومك وقد حشرك بها أحدهم في مجموعة واتس، لا تعرفه، ولا تعرف من حُشرت بينهم.
ولزيادة الطين بلة، بادرتني الجارة بالترحاب الحار، وسألتني عن حالي بحرارة تفوق حرارة المصعد الصغير من أثر الازدحام، متجاهلة زوجتي.
سلمت عليّ بحرارة، وسألتني عن حالي بكل ود. لكنني لم أستطع أن أجيبها، لأن نظرات زوجتي كانت توحي بأن حالي الليلة قد ينتهي بي إلى ما يشبه النزوح القسري نحو المجهول.
ولكي أنجو من نظرات زوجتي، همست لها بلغتنا العربية التي لا تفهمها الجارة: الحمد لله، فالحشرية ليست اختراعًا عربيًا كما يُقال، بل عالمي أيضًا.
مع ذلك، لا أظن أن المحرر سيُجازف بنشر هذا المقال من أول مرة، ليس لضعفه، بل حفاظًا على سلامة العبد لله، حتى أعود إلى منزلي دون أن أُعلن حالة نزوح شخصي.
وبخصوص الأفكار، سيكتشف كل منا أن المشكلة ليست في الأفكار، فهي لا تبخل علينا، بل المشكلة الكبرى في هذا الكائن الغامض الذي نسميه «المزاج».
مشكلتنا ليست في قلة الأفكار، بل في أننا نؤجل كل شيء بحجة «المزاج».
ورغم أن المزاج لا يعترف بجودة النص، ولا يحترم تعب الكاتب، فإنه يتصرف كحكمٍ نهائي، قد يقرر في لحظة أن كل ما كتبته لا يستحق أن يرى النور.
تكتب فقرة جيدة، فيقنعك أنها عادية. تكتب فكرة جديدة، فيهمس لك أنها مستهلكة. تصل إلى خاتمة قوية، فيطلب منك حذفها.
والمشكلة أن الكاتب – في لحظة ضعف – يصدّقه.
ويبدو أن المزاج لا يتحكم في جودة المقال فقط، بل في ما هو أكبر من ذلك. في قرارات نتخذها، وأخرى نؤجلها، وخطوات نخطوها في حياتنا أو نتراجع عنها. وكأن المزاج بات المسؤول الأول والمباشر عمّا ستؤول إليه النتائج.
لهذا ستسمع كثيرًا نقاشات تدور بين صديق وصديقه، أو زوج وزوجته، وحين يحتدم النقاش يقفز أحدهما معترضًا بنبرة حادة، لا تشبهها إلا بيانات الشجب والإدانة الصادرة في مكان ما هنا وهناك، لتتمخّض بكلمتنا الشرقية المعروفة «مش بمزاجك».
منذ فترة وأنا أحاول كتابة مقال مكتمل، وفي كل مرة أصل إلى نهايته، أجد نفسي مقتنعًا بحذفه بدلًا من نشره، ليس لأن المقال سيئ، بل لأن المزاج «أسوأ من المقال نفسه».
لهذا صرت أُفضل حذف المقال مبكرًا، توفيرًا لجهد المحرر، وحتى لا نصطدم – أنا والمقال – بجملته اللطيفة، والشهيرة بالنسبة لي أكثر من شهرة رقصة ترامب: «مرحبًا بك، المقال غير مناسب للنشر».
أعتقد أن هذا التقصير لا يعود إلى شحّ الأفكار ، فالموضوعات في بلداننا – اللهم صلِّ على النبي وعيني عليها باردة – لا تنتهي. بل على العكس، نحن نعيش وفرة من نوع خاص، وفرة في «قال وقيل»، وانشغال دائم بما لا يعنينا، واهتمام مبالغ فيه بما يعني الآخرين، حتى أصبحنا مشغولين طوال الوقت، دون أن ننجز شيئًا يُذكر.
وعلى سبيل الذكر، والحشر أيضًا في مصعد واحد، حُشرتُ فيه أنا وزوجتي، وثالثنا جارتنا المسنة.
كانت حشرة خارج مزاجنا، لا يشبهها إلا تلك الحشرة التي تصحو عليها من نومك وقد حشرك بها أحدهم في مجموعة واتس، لا تعرفه، ولا تعرف من حُشرت بينهم.
ولزيادة الطين بلة، بادرتني الجارة بالترحاب الحار، وسألتني عن حالي بحرارة تفوق حرارة المصعد الصغير من أثر الازدحام، متجاهلة زوجتي.
سلمت عليّ بحرارة، وسألتني عن حالي بكل ود. لكنني لم أستطع أن أجيبها، لأن نظرات زوجتي كانت توحي بأن حالي الليلة قد ينتهي بي إلى ما يشبه النزوح القسري نحو المجهول.
ولكي أنجو من نظرات زوجتي، همست لها بلغتنا العربية التي لا تفهمها الجارة: الحمد لله، فالحشرية ليست اختراعًا عربيًا كما يُقال، بل عالمي أيضًا.
مع ذلك، لا أظن أن المحرر سيُجازف بنشر هذا المقال من أول مرة، ليس لضعفه، بل حفاظًا على سلامة العبد لله، حتى أعود إلى منزلي دون أن أُعلن حالة نزوح شخصي.
وبخصوص الأفكار، سيكتشف كل منا أن المشكلة ليست في الأفكار، فهي لا تبخل علينا، بل المشكلة الكبرى في هذا الكائن الغامض الذي نسميه «المزاج».
مشكلتنا ليست في قلة الأفكار، بل في أننا نؤجل كل شيء بحجة «المزاج».
ورغم أن المزاج لا يعترف بجودة النص، ولا يحترم تعب الكاتب، فإنه يتصرف كحكمٍ نهائي، قد يقرر في لحظة أن كل ما كتبته لا يستحق أن يرى النور.
تكتب فقرة جيدة، فيقنعك أنها عادية. تكتب فكرة جديدة، فيهمس لك أنها مستهلكة. تصل إلى خاتمة قوية، فيطلب منك حذفها.
والمشكلة أن الكاتب – في لحظة ضعف – يصدّقه.
ويبدو أن المزاج لا يتحكم في جودة المقال فقط، بل في ما هو أكبر من ذلك. في قرارات نتخذها، وأخرى نؤجلها، وخطوات نخطوها في حياتنا أو نتراجع عنها. وكأن المزاج بات المسؤول الأول والمباشر عمّا ستؤول إليه النتائج.
لهذا ستسمع كثيرًا نقاشات تدور بين صديق وصديقه، أو زوج وزوجته، وحين يحتدم النقاش يقفز أحدهما معترضًا بنبرة حادة، لا تشبهها إلا بيانات الشجب والإدانة الصادرة في مكان ما هنا وهناك، لتتمخّض بكلمتنا الشرقية المعروفة «مش بمزاجك».