مارلين يونس

الوجود الإنساني مغرق بالمهام والخطط المتأسسة على «ثيمة» الانتظار المحكوم بالدوافع العاطفية والمعرفية القلقة. هذا الانتظار الأكثر ملامسة لإيقاع الحياة يمثل شكلا من أشكال الانتباه المُرجأ في الزمن، كما يُمثل التأجيلَ الآسر للتجارب الوجودية المرجحة فيها كفة الاحتمال للخيبة أكثر من الغلبة.. ومن الالتباسات التي تُثيرها مسألة الانتظار، أنها العتبة التي يحرسها الغياب أو القدر أو المجهول أو المستقبل. وهذا يعني أنها تفقدنا عنصر الانتباه إلى الحاضر اللحظوي وتجعلنا أسرى للغد الذي لم يأت بعد، وما أتعس حالات الانتظار عندما تكون مبنية على وهم المخيلة وتوجس الفكر.

مما لا ريب فيه أن الإنسان ليس ما هو عليه فقط، بل هو دائما ما يعد نفسه به أن يكون. غير أن هذا الوعد يتضمن مآلات من الريبة والشك والغضب والأمل التي تجعله يعيش خيباتٍ مستمرة إلى حد نفاد الصبر (exaspération de l’impatience) من تبعاتها غير المتوقعة.

لا بد من الإشارة إلى أن الانتظار في جوهره ليس مجرد وقوف على عتبات الزمن، بل هو مخاض داخلي صامت يتحول فيه تراكم فراغ الصمت إلى قوة كامنة تحترق لتتحول. وهذا الاحتراق الهادئ يمثل خيمياء ظل الكيان الإنساني وحالة السكون النشط الحريص على حراسة الإمكانية لكي تتحقق. ومآل التحقق هو الذي يمنح القيمة للهدف المرجو وذلك من خلال التنقل بين أفق الممكن وحتمية ما سيكون. وما ينبغي أن تقودنا الملاحظة إليه أن الحدث في الانتظار من جهة إدراكه هو افتراضي وليس إنجازيا، من هنا ندخل في لعبة أفعال المقاربة والشروع. والحال هذه، كيف نوجه الانتظار إلى حدوث الإمكان؟ وما هذه الميتافيزيقا لوعي الغياب المَبني على قاعدة: الانتظار الخوف (L’attente crainte) والانتظار الرغبة (L’attente désir)؟

ردحة الانتظار والكوجيطو المنتظر

إن أشكال المفاهيم كافة تَرسمها لوحةُ الانتظار التي هي بدَورِها تخلق الانتظار للحل. وهذا الحل يُمكن أن يكون جزءا من أزمة مبنية على صناعة الوهم، على نحو ما وصفه الشاعر اليوناني قسطنطين كفافيس في قصيدة «انتظار البرابرة» حيث يصور العدو كسبب لمعنى الهوية والنظام، وفقدانه كمبرر لوجود القوانين والأنظمة وهذا ما ينطبق على واقعنا في لبنان اليوم. فنحن دائما في انتظار الحل، وأحيانا يكون كارثيا، ومرد ذلك إلى حال الشلل الفكري التي نعيشها. على هذا النحو يجري تكييف الانتظار وتطويعه كي يكون استغلالا للوقت أو أداة توجيه من السلطة السياسية (Chronopolitique) بغية الوصول إلى تحقيق أهدافها.

يعتبر الفيلسوف وعالم النفس الألماني كارل غرووس (Karl Groos) أن الانتباه ليس مجرد استجابة للحاضر، بل هو في جوهره حالة من التوقع؛ فنحن لا نركز انتباهنا على الأشياء كما هي في اللحظة الراهنة، بل على ما ستؤول إليه أو ما سيتبعها من أحداث. ومفاد ذلك أن الانتظار هو المستقبل الآخذ في التشكل المُطرد (Futurition, le futur en train d’advenir). وهذا بدوره يحيلنا إلى عدم الانتباه للحاضر، بل إلى الأمور المقبلة. على غرار حال المصغي إلى الموسيقى الذي يحاول أن يستصفي الأبعاد التي ترافق عملية السماع من خلال انتظاره للفواصل الموسيقية أو للإيقاع أو للنغمة. وعليه، يغدو الانتباه أكثر اتزانا وهدوءا من الانتظار.

الانتظار تعليق للتوقع

إن تداعيات الانتظار كثيرة منها النفسية والاجتماعية والدينية والثقافية والسياسية والفلسفية... وفي ظل التبعات الناجمة عن هذه التداعيات نصل إلى وضعيات مختلفة تكون صحيحة إذا تبناها الجانب العلمي، أو غير صحيحة إذا انقبض الجانب الحقيقي منها. ولا يفوتنا التنبيه إلى أن الانتظار يختلف من مقام إلى آخر وفقا للشيء الذي ننتظره. قد تكون مثلا القوة في الحب والاستعداد في الدين والصبر على الشدائد والحكمة في التدبير والأمل في الغيب والنضج في الرؤية والثبات في الأزمات.... ومن مفارقات هذا المفهوم أن كل من ينتظر، ينتظر في غيره في الدولة في الغيب في الآخر في السؤال....

من المفيد القول إن إدراكنا يرتبط بطبيعة توقعاتنا عن العالم والأشياء، وفي ظل تلك الرؤية القاصرة، نلحظ أن طبيعة المرء تدفعه أحيانا إلى أن يطوي الحاضر تحت جناح ما يرتضيه أو ما يناسبه. من هنا يغدو الانتظار رفضا لمنطقنا اللغوي القائم على خلق مزاوجة بين الفكرة والواقع الذي نريده. بتعبير آخر يريد المنتظر أن يسخر الحاضر لمصلحة ما يتوقعه، في الكثير من الأحيان عندما نسأل عن الغد ونحاول ترقب آفاقه، نقع في حيرة والتباس بين ما نعرفه وما نجهله، بين ما نراه وما لا نراه. وعليه، تبدو الأفكار عصية على التحديد؛ ذلك أن ثمة علاقة اعتباطية (Arbitraire) مع فكرة الانتظار وعلاقة اعتباطية مع الواقع الذي ننتظره. فلا شيء في عملية الانتظار يمكن أن يكون يقينيا (Apodictique)، إذ نواجه على الدوام ردا مغايرا للمعنى المنشود.

بناء على ذلك، أصبح من الطبيعي أن يطعم الانتظار بخيبات أمل وأوهام غير متوقعة. ومن الأمثلة التي تندرج في هذا السياق ما كشفه الفيلسوف وعالم النفس الإنكليزي جيمس سوللي (James Sully) عن وهم الوزن (Illusion de poids) وخدعة البصر للبصيرة. هذه الظاهرة النفسية التي تصور الحقيقة من وجهة نظر مخالفة لجهة إدراكنا الظاهر للأشياء، فالحجر الكبير قد يكون مجرد غلاف لهشاشة مستترة، بينما يختزل الحجر الصغير ثقلا وصلابة لا نتوقعهما..

تراجيديا الانتظار في هدنة السقوط ورسمة الموت

باتَ واضحا في الواقع أن مشكلتنا في هذا العالم لا تقتصر على العيش، بل على الانتظار الذي يضع الإنسان في حالة الترقب الدائم لحدث معين أو لمشكلة أو لفرصة ربما قد لا تأتي أبدا.. ونتيجة لذلك تستهلك حياتنا في هدنة الانتظار وليس في جدية الحسم. والمفارقة أن كل انتظار يولد انتظارا آخر ينسلك ضمن سلسلة من المواعيد المؤجلة «ليس الآن» «ما بعد» «على أمل». هكذا، وبكل بساطة، نُسلم أنفسنا إلى إرادة المقبل، إلى مراقب متقبل للأحداث سواء من طريق القلب أم من طريق العقل. وفي هذا الإطار إن أقوى حدث يدخل في سؤال الانتظار هو حدث الموت. مما لا شك فيه أن السؤال عن مصير النهايات يربكنا ومرد ذلك إلى وجود حالات لا واعية من القلق والخوف نحياها في اللحظات ما قبل النهائية (Pénultième) وتحديدا ما يسبق فعل الموت. يجدر بنا الوقوف عند هذا المفهوم القائم في صلب تفكير الفلاسفة، خاصة لدى الفيلسوف اليوناني أبيقور الذي تعامل مع هذا الموضوع بوصفه فكرة تنتج قلقا إنسانيا مزمنا أكثر مما تعبر عن واقع نختاره. على اعتبار أن الخوف من الموت يقوم على انتظار تصورات ذهنية يخلقها الإنسان، وليس بناء على تجربة حقيقية بذاتها. وقد حسمها بطريقة لطيفة من حيث إن الموت يعني انتظاره، وحضوره يعني غياب الانتظار، وهذه معادلة سقطة الانتظار في تصورها للإنسان الذي يغيب من دون مواجهة لفعل الموت. بناء على ذلك، علينا أن ندرك أن وقوفنا في محطات الانتظار مع القلق الذي يساورنا والشقاء والتوجس من المرض والموت لا يعجل المكتوب ولا يداوي الجروح. وكأن المعري أراد أن يحررنا من وطأة هذا التوجس عندما قال:

أرى المرء يشقى بانتظار بلائه

ويفنى قبيل الموت وهو سليم

يبقى أن أمر الانتظار هو موضوع تجاذب بين أنماط كثيرة من التفسيرات المتباينة القائمة على احتمال مجنح بين نهاية ما زالت فصول انتظاراتها تتوالى، وبين بداية لم تتشكل بعد. حقيقة الأمر أننا في الانتظار لا نعلن الاكتمال، بل نعلن السؤال المفتوح على التغير المحمل بالخشية والريبة، وهذان البعدان يمثلان التبعية والخضوع (Hétéronomie) والتأرجح المتكرر بين الترقب والتوقع المعارض له.

على الرغم من أن الانتظار هو علامة مضطربة أو حاضر مضطرب بقلق التمني والرهان على ما سيحدث، إلا أنه يتميز بمنطقه الخفي الذي يحث العقل على الصبر كي يبلغ بر الأمان. لكن ما زال يدهمنا الخوف عندما قال «كم نخاف أن يفنى بنا العمر ونحن نتخيل الأشياء على أمل أن تحدث، ولا تحدث». المؤسف أن هذه الوضعية المأزومة تلخص ما نتخبط به؛ حيث استحال انتظار الأمل في هذا العالم إلى ترقب للألم.

وفي الختام يبقى لنا أن نسأل إذا كنا بالفكر نتحرر، وبالصمت نحتمي، فهل الصبر مؤتمن على أمانينا لننتظر في سكون الرضا؟ وكيف نعتصم بحياد حكمة الانتظار أمام تصاريف الأقدار؟

*أكاديمية مختصة بالفلسفة من لبنان

* ينشر بالتزامن مع دورية أفق الصادرة عن مؤسسة الفكر العربي.