عبدالحسين شعبان

عشت نحو عقدين من الزمن في المجتمعات الأوروبية، الشرقية منها والغربية (الاشتراكية والرأسمالية)، لكنني لا أزعم أنني على معرفة بأوضاعها ومشكلاتها على نحو كاف، على الرغم من أن إقامتي زادتني استبصاراً في العلاقة مع «الآخر» المختلف أو الغريب أو الأجنبي غير العربي أو غير العراقي.

لم يتمكن العربي بشكل عام من الاندماج في المجتمعات الغربية، وخصوصاً من جيلنا، ولم يكن المجال مفتوحاً أمامه للانسجام مع إدارات تلك البلدان، كما لم يتبوأ مناصب رفيعة إلا نادراً لاعتبارات تتعلق بالدين واللغة والثقافة، والأمر لا يعود لهم وحدهم، بل ثمة عقبات أخرى تواجههم، وإن كان بعض الأفراد تمكنوا من الوصول إلى أعلى المراتب، ونجحوا إلى حدود كبيرة، وأصبحوا جزءاً منها، ومع ذلك بقيت ظلال الشك تحوم حولهم، وخصوصاً في ما يتعلق بالأزمات السياسية الحادة التي تخص بلدانهم الأصلية أو قضايا الصراع الدولي واستقطاباته، وهو ما ظهر مؤخراً خلال حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة.

كل ذلك أقوله وأدرك أن الغريب «الآخر»، العربي أو غير العربي، يستطيع أن يعيش على نحو أفضل وبحرية أكبر أكثر مما كان في وطنه، وخصوصاً لجمهرة المثقفين والمبدعين العرب، التي عاش المئات منها في الغرب، وتلك إحدى المفارقات الثقافوية، التي لا بد من الإقرار بها.

يمكنني القول إن الغرب ليس غرباً واحداً، بل غربان، فهناك غرب سياسي قائم على فلسفات عنصرية وأيديولوجيات استعلائية ومصالح استغلالية تفترض الهيمنة على الآخر وتطلب الاستتباع، وقد ارتفعت هذه الموجة بشكل خاص بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 الإرهابية الإجرامية بانتعاش الإسلاموفوبيا (الرهاب من الإسلام)، وتعززت في ظل استشراء الشعبوية خلال العقد ونيف الماضي في العديد من البلدان الغربية. ولعل وجود الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على رأس السلطة في الولايات المتحدة، خير أنموذج على ذلك، فهو لا يكتفي بإصدار التعليمات، بل يطلب الطاعة والخضوع، ومن يرفض أو يتلكأ فله الويل والثبور وعظائم الأمور.

وهناك غرب ثقافي تعلمنا منه الكثير، وتعمق لدينا الشعور بغنى تراثنا الثقافي والحضاري وتنوعهما، بخاصة حين يتعاشق مع قيم الحرية والسلام والمساواة وحقوق الإنسان والدمقرطة وقبول الاختلاف والتعددية والتنوع، تلك التي شكلت علامات مهمة للعصر الحديث بعد الثورة الفرنسية. وهذه القيم ليست محصورة بأمة أو مجتمع أو دولة أو لغة أو دين، بل هي قيم كونية وإنسانية، ونحن نتقاسمها مع الغرب والعالم أجمع ثقافياً لكونها تمثل أسمى ما وصل إليه الإنسان، ولا ننسى هنا وقوف أوساط غير قليلة من الغرب مع قضايانا العادلة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.

المثاقفة بيننا وبين الآخر

ومثلما هناك غربان، فهناك شرقان أيضاً، شرق يتطلع إلى التنوير والحداثة والتنمية، ويريد اللحاق بالأمم المتقدمة، وشرق آخر لا يزال يجتر بماضوية تاريخاً أفل، ولا يمكن استعادته، فالماضي مضى، كما لا يمكن العيش على أطلاله، ومن يحاول ذلك فإنما يعاكس سنن الحياة التي تقوم على التغيير، بحسب القاعدة الفقهية: «لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان».

والشرق والغرب يمثلان مفهوماً سياسياً واقتصادياً وتاريخياً وجيو اجتماعي. وإذا كانت ثقافة الحرب والعولمة ومحاولات توظيف اقتصادات المعرفة والذكاء الاصطناعي لمصالح أنانية ضيقة، فإن الصين، وهي جزء من الشرق تتسابق مع الغرب في ميدان التنمية والذكاء الاصطناعي، وقد يخلق ذلك نوعاً من التوازن في إطار نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب، يقود إلى قوننة استخدامات الذكاء الاصطناعي وأنسنته بما يزيد من رفاهية البشر وسعادتهم. وإن يبقى ذلك مطمحاً للشعوب.

ومن ينتصر في هذا السباق يتمكن من وضع يده على استخدامات الذكاء الاصطناعي المستقبلية، ومثلما قيل في أزمنة سابقة: من يسيطر على النفط يسيطر على العالم، وهو صحيح، فيمكن القول اليوم إن من يسيطر على الذكاء الاصطناعي يسيطر على العالم. وتتطلع البشرية إلى هذه الثورة غير المسبوقة، التي فاقت كل ما حققته من اكتشافات علمية خلال القرون الخمسة المنصرمة.

إذا كانت أوروبا تعتبر مهد قيم حقوق الإنسان في العصر الحديث، فإن هذه القيم أخذت تتعرض اليوم إلى التصدع والتقلص والتسويف، سواء على المستوى الداخلي أم على المستوى الدولي، وخصوصاً بالتعامل مع البلدان النامية، بما يعكس ازدواجية المعايير وانتقائيتها، وفي الوقت نفسه تواجه أوروبا محاولات الاستتباع من جانب الولايات المتحدة في حالة أقرب إلى اللامعقول، حيث لم تعد الهيمنة الأمريكية تقتصر على فرض شروطها وضرائبها على الأعداء والخصوم، بل امتدت إلى أوروبا والدول الحليفة.

فكيف يمكن المثاقفة بين تراثنا العربي - الإسلامي والآخر؟

نقول بما إن البشر منقسمون إلى ذات وآخر، والأولى لا تقوم إلا بالثانية، فهما والحالة هذه وحدة إنسانية مترابطة، وبحسب الشاعر الفرنسي رامبو «الأنا هو الآخر»، ويبقى الإنسان سؤالاً وليس جواباً، وبحسب الشاعر أدونيس: هذا زمن تتقدم فيه الأسئلة وينهزم الجواب، ويضيف: ولد الإنسان سؤالاً لا جواباً، إذن أنا متسائل وليس لدي أجوبة أو يقينيات، وواجب المثقف هو تنوير المجتمع بطرح الأسئلة والنقد.

ولا يمكن إحداث ثورة حقيقية بتغيير هرم السلطة السياسية فحسب، لأنها ستبقى نقراً في السطح وليس حفراً في العمق بحسب المفكر السوري ياسين الحافظ. والقصد من هذه الاستعارة، هو أن التطور الحقيقي لا بد من أن يحدث مجتمعياً وتدرجياً وتراكمياً وثقافياً، ولا ثورة ناجحة من دون بيئة ثقافية ناضجة، فقد كانت كتب فولتير «رسالة التسامح» ومونتسكيو «روح الشرائع» وروسو «العقد الاجتماعي»، التربة الخصبة التي أنبتت الثورة الفرنسية (1789).

وأحد أسباب فشلنا أو عدم تقدمنا أننا بقينا طيلة قرون من الزمن ندور حول أنفسنا ونكرر الشعارات ذاتها وننتظر مخلصاً ينقذنا من أمراضنا المستعصية وأوضاعنا المزرية، حيث يتفشى الجهل وتنتشر الأمية والتخلف ويستشري الفساد وتتغلغل الطائفية لتنخر مجتمعاتنا.

ومن هذا الخليط الغريب العجيب نشأ التعصب وبدوره أنجب التطرف، وحين يصبح الأخير سلوكاً، فإنه يتحول إلى عنف، والعنف إذا ضرب عشوائياً يصير إرهاباً، وحين يكون عابراً للحدود يصبح إرهاباً دولياً. ونتساءل مع شكيب أرسلان «لماذا تأخر المسلمون؟ ولماذا تقدم غيرهم؟»، وهو عنوان كتابه الذي صدر قبل نحو قرن من الزمن (1930).

أسئلة إلى الإسلاميين والعلمانيين

ومن عيوبنا الكبيرة شح الحريات ونزعة الاستبداد التي تحدث عنها أحد رموز الإصلاح والنهضة عبدالرحمن الكواكبي في كتابه «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد»، فقد بقينا لا نعترف بالآخر بزعم امتلاكنا الحقيقة والأفضليات. وإذا كنا نتميز بتاريخ غني وتراث باهر، فإننا نستخدمه في الأغلب الأعم كيافطات ليس إلا، ونتصرف على الضد منه، أي لا علاقة هنا بين النظرية والتطبيق والغاية والوسيلة. فما العلاقة بين حلف الفضول، وصحيفة المدينة، والعهدة العمرية، والقيم السامية التي أتى عليها القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة وبين بعض تصرفات الطبقات السياسية في بلداننا وسلوكها؟

تقول الآية القرآنية الكريمة: «لا إكراه في الدين» (سورة البقرة، الآية 256)، ولكننا نتعامل مع المختلف دينياً أو حتى طائفياً من الدين نفسه، على منوال لا إكراه إلا في الدين، فهذا مقدس وذاك مدنس، وهذا طاهر والآخر نجس، ونقول لا يفسد في الود قضية، ولكن لمجرد الاختلاف نهاجم الآخر وننعته بأسوأ الصفات، ويتحول الصديق إلى عدو بسبب اختلاف وجهات النظر، وتنسف جميع الجسور التي تربط المختلفين بعضهم ببعض، ويحضرني قول الإمام الشافعي الذي اختلف أحد طلابه معه، وغادر الأخير الدرس غاضباً ومنزعجاً، فزاره الشافعي لتطييب خاطره وخاطبه قائلاً: نحن نختلف في هذه القضية، لكن ثمة عشرات القضايا التي نتفق عليها ونلتقي عندها. صحيح قد نختلف في جزئيات، لكن ثمة كليات نجتمع عندها، فلماذا يلغي أحدنا الآخر لمجرد الاختلاف؟

هذه دروس وعبر، ويمكن القول إنها أسئلة أيضاً موجهة إلى الإسلاميين (سنة وشيعة وغيرهم) وإلى من يزعمون أنهم علمانيون (ماركسيون وقوميون وليبراليون)، كيف يمكن الاستفادة من تراثنا في التعامل مع الآخر، بغض النظر عن خلفيته الفكرية والدينية والقومية واللغوية والاجتماعية والسلالية، فلم يعد رفع الشعارات مجزياً لكثرة اجترارها وتكرارها لدرجة أصبحت مجرد ثرثرة ورثاثة وهراء واستخفاف بالعقول.

وحين نقول المثاقفة، فإنما نعني العلاقة بين ثقافتين أو أكثر، والتفاعل والتبادل والتأثير بينها، سواء على المستويات الكونية أم الإقليمية أم المحلية في البلد الواحد، فإننا نقصد تجنب كل ما له علاقة بالواحدية والإطلاقية والاستنسابية، فهذه ثقافة تقبل الآخر، وتلك ثقافة ترفضه، أو تريد التسيد عليه، تارة باسم «الأغلبية» كحق وعليه الاستتباع، وأخرى باسم «الأقلية» بسبب «المظلومية» والعسف.

وقد دفعت شعوبنا وأممنا أثماناً باهظة بسبب الصراع المحموم والتيارات المعلبة، في حين لم تعد الهويات مغلقة وكأنها برك راكدة، بل هي أقرب إلى أرخبيلات مفتوحة، تؤثر وتتأثر بغيرها من الهويات، بعيداً من «الهويات القاتلة» بحسب كتاب الروائي اللبناني أمين معلوف.

*أكاديمي من العراق

* ينشر بالتزامن مع دورية أفق الصادرة عن مؤسسة الفكر العربي.