محمد بن صقر

في ظل الصراع الحاصل بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جانب، وإيران من جانب آخر، هناك حرب أخرى تدار وهي حرب الرواية الأكثر تأثيرًا وبقاءً في العقول، والسردية الأكثر إقناعًا للجماهير المتعطشة لفهم ما يحدث حولها، فالاحتلال والحروب لم تعد فقط سيطرة على الجغرافيا، بل أصبح يمتد إلى ما هو أخطر وأعمق، وهو السيطرة على الوعي ذاته وإدراكه لمجريات الأحداث وتفاعله معها.

هذا النوع من الهيمنة، الذي يعد أكثر نعومة وأشد شراسة بالشعوب، يتمثل في اغتيال العقل وتغييبِه عبر سرديات وروايات تتم هندستها بعناية، وتبث بكثافة عبر محللين ومفكرين، حتى تصبح هي الحقيقة الوحيدة الممكنة التي يعتقد الجمهور أنه أدركها، فالقوة في وجهها الآخر تكمن في صناعة وبناء حبكة الرواية التي يفهم من خلالها الناس ما يحدث، ومن هذه النقطة تبدأ حرب السرديات على أرض الوعي، ويغدو إدراك الإنسان هو الهدف قبل أي شيء آخر، فمن معه الحق في هذه الحرب وما هي القصة والعنوان لهذه الحرب؟، فإيران التي اعتدت على البنية التحتية للخليج بحجة الدفاع عن النفس وضرب المصالح الأمريكية المزعومة؟ أم الرواية والسردية الأمريكية والإسرائيلية؟، ولعل «برهان غليون» صاحب كتاب «اغتيال العقل» بين في كتابه أن الخطر لا يكمن في غياب المعرفة، بل في وفرتها الموجهة، حين تتحول المعلومات إلى أدوات ضبط، ويُستبدل التفكير النقدي بسرديات جاهزة تفسر العالم مسبقًا.

في هذه الحالة، لا يمنع الإنسان من التفكير، بل يدفع إلى التفكير داخل إطار محدد، فيظن أنه يفهم، بينما هو في الحقيقة يعيد إنتاج ما يراد له أن يراه، وهذا الفخ في الوعي هو ما نشاهده حاليًا في الواقع، إذ نجد وسائل الإعلام والوكالات العالمية والسياسيين وأصحاب الرأي ينقلون الأخبار والمعلومات من مصادر متنوعة حول الحرب القائمة، ونجد غزارة في ذلك، ولكن السؤال الجوهري هو من يحدد آلية التفكير والنتائج التي سوف يخلص إليها العقل بناء على هذه المعطيات؟ إذ إن من يتحكم في إرسال المعلومات والأفكار عبر وسائله المختلفة وأساليبه المتنوعة، سوف يتحكم، بلا أدنى شك، في النتائج التي يصل إليها العقل.

هذا الطرح لم يكن وليد اللحظة أو نتيجة ما يحصل اليوم، بل تطرق إليه كتاب «المتلاعبون بالعقول» قديمًا، حيث بين أنه لا يتم التحكم بالجمهور عبر القمع والقوة، بل عبر هندسة إدراكه من خلال التكرار، وإعادة التأطير، وبناء الصور الذهنية، وتوجيه الانتباه، فالسردية لا تعمل فقط على نقل الخبر، بل على تشكيل معناه، وتحديد موقعه في ذهن المتلقي، بحيث تختزل الوقائع المعقدة في قصة تبدو متماسكة ظاهريًا، لكنها منحازة في جوهرها لسياسة معينة أو قضية محددة. ويتم تمرير هذه السرديات عبر الوسائل الأكثر تأثيرًا، فالوسيلة هي الرسالة كما يقال، فبعض المحللين السياسيين في وقتنا الراهن، خاصة في العالم العربي، لم يعد مجرد قارئ للأحداث يقوم بتفكيكها، بل أصبح في كثير من الأحيان جزءًا من ماكينة إنتاج الرواية الإيرانية ونشرها، حيث يعيد ترتيب الوقائع، ويضخم جوانب معينة، ويهمش أو يغيب جوانب أخرى، ويستخدم مفردات مشحونة تعيد توجيه الإدراك دون أن تبدو كأداة توجيه.

وهنا يتحول الخطاب من تحليل إلى إطلاق أحكام، ومن تفسير إلى تعبئة، وقد يكون هو نفسه ضحية، فيخرج من كونه محللًا ينظر بزوايا مختلفة إلى النظر بزاوية واحدة، مستندًا على حرية الرأي، وهو في الأساس أصبح أسيرًا للرأي، ولا يقوم هذا الطرح على الكذب المباشر بقدر ما يعتمد على إعادة هندسة وتكوين الحقيقة؛ إذ يتم اختيار ما ينشر وما يخفى، وكيف يقدّم، وفي أي إطار يوضع، حتى تتشكل صورة ذهنية محددة تُغني عن الحاجة إلى التحقق.

ومع التكرار، تتحول هذه الصورة إلى قناعة راسخة يصعب زعزعتها حتى أمام الوقائع المناقضة، وهنا يتحقق اغتيال العقل في أوضح صوره، لا عبر منعه من العمل أو التحليل أو التفكير، بل عبر إدارته حتى يفقد مهمته الأساسية واستقلاله في التفكير والتفكيك والتحليل، فيصبح التفكير مجرد حركة داخل دائرة مغلقة تعيد إنتاج النتائج نفسها، ويغدو الإنسان قادرًا على الكلام الفصيح، لكنه عاجز عن الفهم والإدراك الحقيقي، بل يصبح إدراكه موجهًا، ويستهلك المعاني بدل أن ينتجها، ومع الوقت، تتآكل القدرة على الشك، ويختفي السؤال، ويحل محله الاصطفاف، مما يجعل الجماهير تختزل في ثنائيات حادة، حيث لا مجال للتعقيد ولا مكان للتفسير البديل، فإما أن تكون مع السردية أو ضدها، ومع هذا الانقسام يتحول الوعي من أداة للفهم إلى أداة للصراع، ويصبح العقل جزءًا من المعركة بدل أن يكون وسيلة لتفكيكها.

أخطر ما في حرب السرديات، الواقعة حاليًا بين إيران والولايات المتحدة، أنها لا تفرض بالقوة، بل تبنى بهندسة مرنة وبشكل تراتبي أشبه بالطبيعي، فهي لا تسكت العقل، بل تجعله يتحدث بلغة ليست لغته، ويرى بعين ليست عينه، ويعتقد أن ما يراه هو الحقيقة الكاملة.

وهنا تتحقق الهيمنة حين يقتنع الإنسان بما صيغ له دون أن يدرك أنه تم توجيهه، قد تنتهي الحروب العسكرية باتفاق أو انسحاب أو انتصار مزعوم، لكن حروب السرديات لا تنتهي بسهولة؛ لأنها تترك أثرها في الوعي، وتعيد تشكيل طريقة فهم الجماهير، وإعادة تعريف الواقع داخل العقول.