علاء الدين عجعوج

في طفولتي كانت أحلام اليقظة واضحة وبسيطة كرسوم الكرتون. أحلم أن أمتلك محل ألعاب... فلا أبيع شيئًا. مجرد مستودع هائل للمتعة المجانية. أو أحلم أن أكون رجلا خارقا يطير فوق الحي ثم يهبط أمام الأولاد الذين كانوا يتنمرون عليّ لأقول لهم بجلال المنتصر:

"هل عرفتم الآن من أنا؟"

أحيانًا كنت أتخيل أنني سأكتشف كنزًا. أو أن عالمًا مجنونا سيطرق باب بيتنا ليقول إنني المختار لإنقاذ البشرية.

كنت أجلس في الفصل شاردا، بينما المدرس يشرح شيئًا لا أتذكره الآن، لأن ذهني وقتها كان مشغولًا بقضية أكثر أهمية: كيف سأشرح للبشر بعد سنوات أنني كنت أخفي قدراتي الخارقة حفاظًا على سلامتهم؟

وكان الأمر يبدو منطقيًا جدًا وقتها.

كبرنا، وصارت الأحلام أكثر عقلانية. لم أعد أحلم بالطيران، أحلم فقط أن أصل إلى آخر الشهر دون أن أفقد أعصابي. لم أعد أتخيل نفسي "باتمان" بل رجلا يملك بيتا هادئا، وركبة لا تؤلمه عند صعود الدرج وعلاقة بشرية لا تحتاج إلى شرح يومي. حتى الخيال أصابه النضج القاسي.

لكن أجمل ما في أحلام اليقظة أنها لا تطلب إذنا. تأتي فجأة. أنت جالس في اجتماع ممل، وفجأة تصبح كاتبا عالميا يصفق له الجميع. أو تستعيد حوارا قديما وتنتصر فيه أخيرا بعد خمس سنوات من الهزيمة الحقيقية. أو تتخيل أنك تترك كل شيء وتسافر إلى مدينة بحرية هادئة، تفتح فيها مكتبة صغيرة وتختفي عن العالم. ثم يهزك أحدهم قائلا:

"أستاذ علاء... أنت معنا؟"

لا يا صديقي... لم أكن معكم منذ زمن. أظن أن الإنسان لا يحلم هربا من الواقع دائما. أحيانا يحلم ليحتمل الواقع فقط.

هناك أيام تكون فيها أحلام اليقظة مثل استراحة قصيرة للمخ. مثل كوب شاي في منتصف حرب طويلة. ولهذا أنزعج جدا ممن يقطعها. تشعر كأن أحدهم أيقظك قبل نهاية الفيلم مباشرة.

الحقيقة أن البشر جميعًا يفعلون هذا... لكن بدرجات مختلفة. ذلك الرجل الذي ينظر عبر نافذة السيارة في الإشارة... لم يكن يتأمل الطريق. كان يعيش حياة أخرى كاملة خلال ثلاثين ثانية.

والموظفة التي تبتسم فجأة أمام شاشة الكمبيوتر... لم تقرأ نكتة. ربما كانت تتخيل نفسها تستقيل بطريقة أسطورية. حتى كبار السن يفعلونها. يجلس أحدهم صامتا، بينما هو في الحقيقة يعود أربعين سنة إلى الوراء...إلى شارع قديم، أو وجه قديم، أو صوت لم يعد موجودا.

لهذا لا أثق كثيرًا بمن يقول إنه لا يسرح أبدا. هذا شخص خطير، أو موظف موارد بشرية. لأن أحلام اليقظة هي الدليل الأخير على أن روحك ما زالت تتحرك... أن داخلك مساحة لم تحتلها الحياة بالكامل بعد.

وربما لهذا السبب لا تختفي مع العمر. هي فقط تصبح أكثر هدوءا... وأكثر حياءً. في الطفولة كنا نحلم بإنقاذ العالم. وفي الخمسين نحلم بيوم هادئ... وقلب مطمئن... ورسالة لا تحمل أخبارا سيئة.

لكن الجوهر واحد. ذلك الطفل الذي كان يريد أن يصبح "سوبر مان" لا يزال يعيش بداخلك بطريقة ما. فقط... صار يطلب أشياء أقل.