هذا تماما ما شعرت أن «نيرفانا» تحكيه.
ليست رواية عن الحرب بقدر ما هي رواية عن أثرها حين تنتهي. عن الإنسان الذي ينجو من الركام الخارجي بينما يبقى عالقا تحت أنقاضه الداخلية لسنوات طويلة.
هذا ما قالته منذ الصفحات الأولى وأنا أراقب «سراج» وهو يمضي من مدينة إلى أخرى حاملا ذلك التعب الخفي الذي لا يظهر على الوجوه بقدر ما يظهر في طريقة الصمت، وفي النظرات التي تتأخر قليلا قبل الكلام، وفي الأرواح التي تبدو وكأنها استيقظت متأخرة بعد حرب لم تنته تماما.
«هند خليفات» الأديبة والإعلامية والتشكيلية.. في هذه الرواية لم تكتب عن الحروب كما تكتب الأخبار، ولم تكتب عن اللجوء بوصفه انتقالا من أرض إلى أخرى. كانت تكتب عن الإنسان حين يضطر أن يحمل حياته كلها داخله ويمشي. عن أولئك الذين نجوا بأجسادهم بينما ظلت أرواحهم عالقة هناك.. تحت ركام قديم لم ينتبه له أحد.
هناك.. ماذا نعني بها؟ أي مكان وأي جهة هذه (الهناك) التي مزجتها لنا في هذا العمل؟
سراج لم يكن بطلا روائيا بقدر ما كان وجها متعبا للحياة نفسها. كلما تقدم في الرواية شعرت أنه لا يبحث عن مكان جديد، بل عن نسخة أخف من قلبه. وحتى المدن التي عبرها لم تكن مدنا كاملة، بل حالات شعورية تتبدل معه. عمّان بدت كأنها ذاكرة قديمة لا يستطيع مغادرتها تماما، وبيروت امرأة جميلة تخفي خرابها بالكحل والضوء والسهر، أما السويد فقد ظهرت كأنها عزلة بيضاء واسعة لا يسمع الإنسان فيها سوى صوته الداخلي وهو ينهار ببطء.
وفي الهند.. هناك تحديدا شعرت أن الرواية تخلع جلدها الأخير.
لم تعد الرحلة جغرافيا ولا انتقالا بين المطارات والفنادق، بل تحولت إلى محاولة يائسة للوصول إلى شيء يشبه السلام. سلام لا تمنحه المدن، ولا العلاقات، ولا حتى النجاة نفسها.
أكثر ما أوجعني في الرواية أن شخصياتها لا تبكي كثيرا. كانت تتألم بصمت يشبه الذين خذلتهم الحياة مرات كثيرة حتى فقدوا رفاهية الانهيار. ولهذا جاءت لحظات الحزن فيها أكثر صدقا وقسوة. الحزن هنا لم يكن مشهدا دراميا عاليا، بل ذلك التعب البارد الذي يرافق الإنسان في يومه العادي، وهو يشرب قهوته أو ينظر من نافذة بعيدة أو يقرأ رسالة قديمة لم يعد يعرف لماذا احتفظ بها كل هذا الوقت.
حتى العلاقة بين سراج ولارين لم أشعر أنها قصة حب مكتوبة بالطريقة المعتادة. كانت أقرب إلى روحين تحاول كل واحدة منهما الاحتماء بالأخرى من العالم. شيء يشبه الجلوس قرب شخص يفهم صمتك دون أن يطلب منك تفسيره. وهذا النوع من العلاقات لا يصنعه الحب وحده.. بل القهر أيضا.
وفي «نيرفانا» كانت التفاصيل تتحرك مثل كائنات حية. الموسيقى، المقاهي، المطارات، الرسائل، الطرق البعيدة، الليالي الباردة، كلها بدت وكأنها تحمل ذاكرة خاصة بها. حتى الصمت بين الشخصيات كان ممتلئا بالكلام المؤجل والخوف والوحدة وأشياء كثيرة لا يستطيع البشر قولها بسهولة.
هذه الرواية لا تقرأ بحثا عن الأحداث بقدر ما تقرأ لتشعر بالإنسان وهو يتآكل من الداخل ويحاول رغم ذلك أن يبدو بخير. لهذا أستطيع القول أن «نيرفانا» عمل مؤلم وجميل في الوقت نفسه. لأنها لا تمنح القارئ بطولة زائفة ولا عزاء جاهزا، بل تضعه أمام هشاشته الخاصة دون ضجيج.
أما عنوان الرواية فقد ظل يرافقني طوال القراءة كأنه سؤال مفتوح أكثر من كونه اسما.
ما هي النيرفانا حقا؟
هل هي النجاة؟
أم القدرة على التعايش مع كل هذا الخراب دون أن نفقد إنسانيتنا بالكامل؟
في نهاية الرواية تأكدت أن «هند خليفات» التي برعت بمحاورة شخصيتها ورسم الوجوه بالقهوة.. لم تكتب شخصياتها بالكلمات فقط، بل بشيء من الخسارات البشرية الثقيلة التي يعرفها الجميع ويحاولون الهرب من الاعتراف بها. ولهذا بقيت الوجوه في الرواية حية بعد النهاية، وبقي سراج يمشي في ذاكرتي كإنسان رأيته فعلا في مكان ما، ثم مضى وحيدا تاركا خلفه ذلك الحزن النبيل الذي لا ينسى.