ليست الأزمات في المنظمات دائمًا وليدة حدث مفاجئ أو ظرف طارئ، فبعضها يبدأ قبل ذلك بكثير حين يغيب حسن التقدير في اختيار من يتولى المواقع الأكثر حساسية داخل المؤسسة، وفي مقدمتها إدارة الاتصال والإعلام، فهي ليست إدارة ثانوية ولا وظيفة شكلية ولا مساحة للتجربة، بل تمثل عقل المنظمة في إدارة رسالتها، وصوتها في لحظات التوتر، ودرعها الأولى في حماية السمعة وبناء الثقة وضبط العلاقة مع الجمهور، قبل أن يتحول الخلل الصغير إلى أزمة كاملة يصعب احتواؤها.

فمن واقع خبرة، فإن كثيرًا من الأزمات لم يتفاقم بسبب الحدث نفسه، بل بسبب الضعف الذي سبق الحدث، فالمنظمة التي تدار فيها منظومة الاتصال بعقل غير متخصص أو بخبرة محدودة أو بفهم قاصر لطبيعة الإعلام والاتصال المؤسسي تهيئ بيئة خصبة للارتباك قبل أن تبدأ الأزمة أصلًا، فعند أول اختبار يظهر الخلل سريعًا في بطء الاستجابة، واضطراب الرسائل، وغياب الرواية الواضحة، وضعف قراءة الرأي العام، والعجز عن احتواء الموقف في بداياته.

إدارة الاتصال والإعلام ليست موقعًا للتجربة ولا ساحة للمجاملة ولا خانة إدارية تُملأ بمنطق سد الفراغ. إنها إدارة تتعامل مع صورة المؤسسة وسمعتها وثقة جمهورها، فالكلمة فيها ليست مجرد صياغة، بل موقف، والتأخر فيها ليس مجرد بطء، بل خسارة، والارتباك فيها لا ينعكس على إدارة بعينها، بل على المؤسسة كلها.


ولعل ما يثار أحيانًا حول تحديث بعض التخصصات أو المسارات أو البرامج العلمية في الجامعات، وما يصاحبه من جدل واسع في الرأي العام ومنصات التواصل، مثال واضح على أن المشهد الجامعي لم يعد يحتمل البطء الاتصالي أو التوضيح المتأخر، فمثل هذه الملفات تحتاج إلى حضور اتصالي مبكر ورسالة دقيقة ورواية مكتملة، قبل أن تتوسع دائرة الجدل، وتصبح الساحة مفتوحة للتأويلات.

كما أن غياب التوضيح العلني الموازي من الجهات المركزية ذات الصلة يُضاعف مساحة الأسئلة، ويمنح الانطباعات غير الدقيقة فرصة الانتشار، وهذه ليست حالة منفردة، بل صورة تتكرر عندما تقع أزمة أو يثار جدل مؤسسي، فلا يصدر بيان واضح، ولا تظهر خطة مواجهة، ولا تدار الرواية المؤسسية بالمستوى الذي يحفظ هيبة المؤسسة، ويطمئن أصحاب المصلحة.

لقد تغير دور الاتصال والإعلام في المنظمات الحديثة، وأصبح جزءًا من صميم القرار، وعنصرًا حاسمًا في بناء الصورة الذهنية وشرح المواقف واحتواء الأزمات وتعزيز الثقة. لهذا فإن التقليل من شأن هذه الإدارة أو التعامل معها بوصفها موقعًا عاديًا ليس مجرد خطأ تنظيمي، بل قصور في فهم طبيعة المؤسسة الحديثة، وكيف تدار.

حماية المنظمة من الأزمات لا تبدأ فقط بإعداد الخطط والسيناريوهات، بل تبدأ قبل ذلك، من القرار الصحيح في اختيار من يقود إداراتها الأكثر تأثيرًا وحساسية، فالمواقع الإستراتيجية لا تحتمل المجاملة، ولا تقبل التجريب، ولا يليق بها إلا من يملك العلم والخبرة والدراية والقدرة على الفهم والتقدير والتصرف. وحين تدرك المؤسسات هذه الحقيقة، فإنها لا تحمي أداءها فحسب، بل تصون سمعتها، وتحصن قرارها، وتؤسس لاستقرارها على قاعدة من الكفاءة لا المجاملة، ومن الاختيار الرشيد لا التقدير المرتجل.