البارحة، وبينما كنت أحاول مساعدة ابني في مراجعة مادة الرياضيات، أو كما كنا نسميها قديمًا «الحساب»، اكتشفت فجأة أن الفجوة بين جيلنا وجيلهم لم تعد تُقاس بالعمر فقط، بل بطريقة استخدام الأرقام نفسها.

فنحن جيل تربّى على «عدنان ولينا»، وكانت أعقد علاقتنا بالتكنولوجيا تنتهي عند محاولة إصلاح صورة التليفزيون المختفية بضربة مرتدة بواسطة مكنسة من القش على قفاه، أو محاولة إصلاح طائرة الـ«هليكوبتر» البلاستيكية التي اشتراها لنا آباؤنا، بينما ينتمي أبناؤنا إلى زمن مختلف تمامًا، زمن يقود فيه الطفل طائرات حربية كاملة عبر الإنترنت، ويخوض معارك إلكترونية مع أخيه القابع في الغرفة المجاورة، وكأن غرف التحكم بمعارك الجيوش انتقلت فجأة إلى بيوتنا، مع وجود غرفة التحكم الرئيسة للسيدة الأولى داخل المنزل، والتي تدير الحرب والسلام عن قرب، وهي الأخطر طبعًا.

أثناء المذاكرة، قال لي ابني بثقة: «بابا، أنا خلاص حافظ أرقام الحساب» أعترف أنني شعرت بسعادة حقيقية، وظننت للحظة أن جهودي المتواضعة في إقناعه بحفظ جدول الضرب بدأت تؤتي ثمارها، خصوصًا أن معلمته، في آخر جلسة نقاش بيننا، شددت على أن أعلّمه جدول الضرب، وخبطت بيدي على صدري بطريقتنا العربية قائلاً: «أبشري طال عمرك».


وبعد جملته المفرحة لي، طلبت منه أن نراجع معًا ما حفظه، لكن المفاجأة كانت أن الطفل لم يكن يقصد أرقام الجمع أو الطرح، ولا حتى جدول الضرب، بل كان يحفظ رقم حسابي البنكي عن ظهر قلب، وحين سألته بدهشة عن العلاقة بين الأمرين، أجابني بكل براءة: «عشان أشتري لعبة أونلاين»..!

أعترف أن جزءًا مني شعر بالفخر، ليس لأنه يحفظ الأرقام، بل لأن ذاكرته تعمل بكفاءة عالية عندما يتعلق الأمر بشيء يحبه، وهي النظرية نفسها التي جعلتنا نحن، جيل «عدنان ولينا»، نحفظ أسماء شخصيات الكرتون كاملة، بينما نعجز اليوم عن تذكر أين وضعنا نظاراتنا قبل خمس دقائق، ثم نتذكر لاحقًا أننا لا نملك نظارات أصلًا، وربما لأننا استخدمنا الهاتف أكثر مما استخدمنا القلم، حتى بدأت ذاكرتنا تطلب تحديثات أسبوعية مثل التطبيقات.

الفارق بين جيلنا وجيلهم أن كلمة «الحساب» نفسها تغيّر معناها تمامًا، نحن حين كنا نسمع عن حساب خارج المدرسة، لم يكن يخطر ببالنا سوى حساب البقالة المتراكم على والد أحدنا، خصوصًا عندما ينادي البقال من آخر الحارة: «متى تحاسبني؟ حسابكم كبر!»، أما هذا الجيل، فأول ما يتبادر إلى ذهنه عند سماع كلمة «الحساب» هو البطاقة البنكية، وكود الشراء، وعدد الجواهر الإلكترونية التي تنقصه لشراء رقصة جديدة داخل لعبة.

ويبدو أننا دخلنا مرحلة جديدة فعلًا، مرحلة أصبح فيها الطفل يحفظ أرقام البطاقة البنكية بحماس يفوق حفظه لجدول الضرب، بينما يجلس الأب ليلًا يراجع رصيده البنكي أكثر مما يراجع واجبات ابنه المدرسية، ومع ذلك، حاولت أن أشرح لابني أنني لا أقصد حسابي البنكي، بل مادة الحساب نفسها، وأن معلمته في آخر نقاش دار بيننا، طلبت مني أن أجعله يحفظ جدول الضرب، لكنه نظر إليّ بكل براءة إلكترونية، وقال: «ولو حفظته بتشتري لي اللعبة؟».

لا أخفيكم، عزيزي القارئ، أنني أخبرت ابني أيضًا أنني سأكتب مقالًا عن هذه القصة، لكنه نظر إليّ مبتسمًا وقال:

«وهل ستكتب إنك ستشتري لي اللعبة؟»، عندها شعرت أن الطفل يعتقد أنني سأكتب ملاحظاتي في «نوتة» مدرسية، لا مقالًا في صحيفة، وأن كل ما يهمه من المقال، ومن الحساب، ومن الرياضيات كلها، هو الوصول في النهاية إلى اللعبة الإلكترونية.

نظرت إليه هذه المرة بقلق حقيقي، ليس خوفًا على صورتي أمام معلمته فقط، بل خوفًا من أن يذهب إلى المدرسة يومًا، ويسرد أمام زملائه رقم حسابي البنكي بكل براءة، وتتحول القصة إلى فضيحة «بجلاجل»!

عندها نظرت إليه طويلًا، ولم أجد ما أقوله سوى أن أدندن، بيني وبين نفسي، بصوت المرحوم أبوبكر سالم: «هذا الذي يا صحابي ذي ما حسبنا حسابه».