اعتادت المنطقة طوال عقود على رؤية سوريا في حالة توتر دائم مع جوارها؛ قطيعة مع العراق، مشاكل مع تركيا، توترات مع الأردن، وهيمنة على لبنان، فيما كانت علاقة دمشق بمحيطها تُدار غالبًا بمنطق النفوذ أو الصراع أو استخدام الملفات الأمنية كورقة ضغط سياسية. أما اليوم، فتبدو سوريا للمرة الأولى منذ عقود خارج دائرة الخصام المفتوح مع دول الجوار باستثناء الاحتلال الإسرائيلي.
فعلى امتداد حكم حافظ الأسد وابنه، ارتبطت السياسة الخارجية السورية بمسارات متشابكة من التدخلات الإقليمية والصدامات السياسية والتوترات الأمنية، ما جعل علاقة دمشق بدول الجوار مضطربة في معظم الأحيان، لكن المشهد الإقليمي اليوم يبدو مختلفًا بصورة واضحة، فالإدارة السورية الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع تتحرك وفق مقاربة تقوم على احتواء الخلافات، واحترام سيادة الدول، وبناء العلاقات على أساس المصالح المشتركة لا إدارة النفوذ.
هذا التحول لم يعد مجرد خطاب سياسي، بل بات ينعكس في حركة دبلوماسية واقتصادية متسارعة شهدتها الأشهر الماضية، عكست تغيرًا حقيقيًا في طريقة تموضع سوريا داخل الإقليم.
في لبنان، حملت زيارة رئيس الوزراء نواف سلام إلى دمشق الأسبوع الماضي دلالات تتجاوز الطابع البروتوكولي، إذ ناقش الجانبان ملفات الحدود والمعابر ومكافحة التهريب والتعاون في مجالات الطاقة والنقل، بما في ذلك مشاريع الربط الكهربائي وخط الغاز العربي. والأهم من الملفات نفسها أن لغة العلاقة تغيّرت؛ فبعد سنوات من التوتر والتدخلات السياسية والأمنية، عاد الحديث عن الشراكة والتنسيق والاحترام المتبادل بين البلدين.
أما مع العراق، فتتجه العلاقة نحو بناء شراكة، خصوصًا في ملفات الطاقة والنقل، ويبرز في هذا السياق تصدير جزء من النفط العراقي عبر الأراضي والموانئ السورية، إضافة إلى تنشيط حركة التبادل التجاري وفتح مسارات عبور جديدة نحو الخليج.
ولا يعكس هذا المسار بعدًا اقتصاديًا فقط، بل يشير أيضًا إلى عودة سوريا تدريجيًا إلى دورها التقليدي كدولة عبور ومحور ربط بين المشرق العربي وشرق المتوسط.
وفي الجنوب، شهدت العلاقة مع الأردن تحولًا واضحًا بعد سنوات كانت الحدود خلالها مصدر قلق أمني دائم، أما اليوم فتتجه العلاقة نحو تعزيز التنسيق الأمني وضبط الحدود وإعادة تنشيط التجارة وحركة العبور، بما يخدم مصالح البلدين ويعيد فتح أحد أهم الممرات البرية في المنطقة.
أما العلاقة مع تركيا التي كانت إحدى أكثر جبهات التوتر تعقيدًا قبل سقوط النظام البائد، فدخلت مرحلة مختلفة تقوم على التعاون الأمني والسياسي والعسكري والاقتصادي.
هذا الانفتاح الإقليمي ترافق أيضًا مع تحركات أوسع باتجاه العالم العربي وأوروبا، إذ حملت زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى القاهرة مؤشرًا واضحًا على عودة التنسيق السياسي مع مصر، خصوصًا في ملفات الطاقة والتجارة والتوازنات الإقليمية.
وفي أوروبا، مثّل انعقاد منتدى تنسيق الشراكة الأوروبية مع سوريا في بروكسل الأسبوع الماضي تحولاً مهماً في العلاقة مع الاتحاد الأوروبي، حيث أُعلن عن استئناف العمل باتفاقية التعاون التجاري بعد تعليقها منذ عام 2011، إلى جانب حزمة دعم مالي. ويعكس هذا التطور انتقال المقاربة الأوروبية تدريجيًا من سياسة العزل إلى سياسة الانخراط المشروط مع دمشق، في ضوء التحولات التي تشهدها المنطقة.
ولا يمكن قراءة الانفتاح الأوروبي بمعزل عن التحول الأمريكي الذي ربما يمثل أبرز مؤشرات القطيعة مع حقبة الأسد، فبعد عقود من العداء وسنوات من العقوبات المتراكمة التي بلغت ذروتها بقانون قيصر عام 2020، أعلن الرئيس دونالد ترمب في مايو 2025 رفع جميع العقوبات الأمريكية عن سوريا، ثم توّج ذلك في ديسمبر من العام نفسه بتوقيع قانون يُلغي قيصر كليًا. هذا القانون الذي كان يُجرّم أي تعامل تجاري أو مصرفي مع دمشق، كان العائق الفعلي أمام أي انتعاش اقتصادي حقيقي، لأن الدول والشركات الأجنبية كانت تخشى الملاحقة القانونية الأمريكية حتى لو كانت تعمل بمعزل عن واشنطن. إزاحة هذا العائق تعني بعبارة أخرى أن الباب الدولي أمام سوريا فُتح على مصراعيه لأول مرة منذ أكثر من 55 عامًا، وأن أي استثمار خليجي أو أوروبي أو آسيوي في سوريا بات ممكنًا دون خشية العقوبات الثانوية.
كما برزت التحركات الخليجية بوصفها أحد أكثر مؤشرات التحول وضوحًا، فمنذ سقوط نظام الأسد، لعبت دول الخليج العربي خصوصًا المملكة العربية السعودية وقطر دورًا جوهريًا في دعم انفتاح سوريا على محيطها العربي والدولي. وكان لافتًا خلال الأسبوع الماضي وصول وفد إماراتي واسع إلى دمشق ضم ممثلين عن القطاعين الحكومي والخاص، لبحث فرص الاستثمار في قطاعات البنية التحتية والطاقة والعقارات.
ويعكس هذا الحراك قناعة لدى العواصم الخليجية بأن استقرار سوريا جزء من استقرار المنطقة.
ورغم هذا التحول الواسع، تبقى العلاقة مع الاحتلال الإسرائيلي الاستثناء الوحيد في المشهد السوري الجديد، فبينما تتجه دمشق نحو شراكات وتفاهمات مع الإقليم والعالم، لا تزال الجبهة مع إسرائيل خارج أي مسار تهدئة أو تسوية، في ظل استمرار الاحتلال والتوغلات العسكرية والتوترات الأمنية.
ما يحدث اليوم لا يبدو مجرد تحسن عابر في العلاقات الخارجية، بل تحول أعمق في فلسفة إدارة سوريا لعلاقاتها الإقليمية، فالدولة التي ارتبط اسمها لعقود بالصدامات والملفات الأمنية الثقيلة، تحاول اليوم إعادة تقديم نفسها بوصفها شريكًا في الاستقرار الإقليمي وممرًا للتجارة والطاقة والتفاهمات السياسية.
ويبقى التحدي أمام هذا التحول هو قدرة الداخل السوري على مواكبته، وتحويل هذا الانفتاح الخارجي المتسارع إلى استقرار مستدام يعيد تعريف موقع سوريا في المنطقة.
فعلى امتداد حكم حافظ الأسد وابنه، ارتبطت السياسة الخارجية السورية بمسارات متشابكة من التدخلات الإقليمية والصدامات السياسية والتوترات الأمنية، ما جعل علاقة دمشق بدول الجوار مضطربة في معظم الأحيان، لكن المشهد الإقليمي اليوم يبدو مختلفًا بصورة واضحة، فالإدارة السورية الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع تتحرك وفق مقاربة تقوم على احتواء الخلافات، واحترام سيادة الدول، وبناء العلاقات على أساس المصالح المشتركة لا إدارة النفوذ.
هذا التحول لم يعد مجرد خطاب سياسي، بل بات ينعكس في حركة دبلوماسية واقتصادية متسارعة شهدتها الأشهر الماضية، عكست تغيرًا حقيقيًا في طريقة تموضع سوريا داخل الإقليم.
في لبنان، حملت زيارة رئيس الوزراء نواف سلام إلى دمشق الأسبوع الماضي دلالات تتجاوز الطابع البروتوكولي، إذ ناقش الجانبان ملفات الحدود والمعابر ومكافحة التهريب والتعاون في مجالات الطاقة والنقل، بما في ذلك مشاريع الربط الكهربائي وخط الغاز العربي. والأهم من الملفات نفسها أن لغة العلاقة تغيّرت؛ فبعد سنوات من التوتر والتدخلات السياسية والأمنية، عاد الحديث عن الشراكة والتنسيق والاحترام المتبادل بين البلدين.
أما مع العراق، فتتجه العلاقة نحو بناء شراكة، خصوصًا في ملفات الطاقة والنقل، ويبرز في هذا السياق تصدير جزء من النفط العراقي عبر الأراضي والموانئ السورية، إضافة إلى تنشيط حركة التبادل التجاري وفتح مسارات عبور جديدة نحو الخليج.
ولا يعكس هذا المسار بعدًا اقتصاديًا فقط، بل يشير أيضًا إلى عودة سوريا تدريجيًا إلى دورها التقليدي كدولة عبور ومحور ربط بين المشرق العربي وشرق المتوسط.
وفي الجنوب، شهدت العلاقة مع الأردن تحولًا واضحًا بعد سنوات كانت الحدود خلالها مصدر قلق أمني دائم، أما اليوم فتتجه العلاقة نحو تعزيز التنسيق الأمني وضبط الحدود وإعادة تنشيط التجارة وحركة العبور، بما يخدم مصالح البلدين ويعيد فتح أحد أهم الممرات البرية في المنطقة.
أما العلاقة مع تركيا التي كانت إحدى أكثر جبهات التوتر تعقيدًا قبل سقوط النظام البائد، فدخلت مرحلة مختلفة تقوم على التعاون الأمني والسياسي والعسكري والاقتصادي.
هذا الانفتاح الإقليمي ترافق أيضًا مع تحركات أوسع باتجاه العالم العربي وأوروبا، إذ حملت زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى القاهرة مؤشرًا واضحًا على عودة التنسيق السياسي مع مصر، خصوصًا في ملفات الطاقة والتجارة والتوازنات الإقليمية.
وفي أوروبا، مثّل انعقاد منتدى تنسيق الشراكة الأوروبية مع سوريا في بروكسل الأسبوع الماضي تحولاً مهماً في العلاقة مع الاتحاد الأوروبي، حيث أُعلن عن استئناف العمل باتفاقية التعاون التجاري بعد تعليقها منذ عام 2011، إلى جانب حزمة دعم مالي. ويعكس هذا التطور انتقال المقاربة الأوروبية تدريجيًا من سياسة العزل إلى سياسة الانخراط المشروط مع دمشق، في ضوء التحولات التي تشهدها المنطقة.
ولا يمكن قراءة الانفتاح الأوروبي بمعزل عن التحول الأمريكي الذي ربما يمثل أبرز مؤشرات القطيعة مع حقبة الأسد، فبعد عقود من العداء وسنوات من العقوبات المتراكمة التي بلغت ذروتها بقانون قيصر عام 2020، أعلن الرئيس دونالد ترمب في مايو 2025 رفع جميع العقوبات الأمريكية عن سوريا، ثم توّج ذلك في ديسمبر من العام نفسه بتوقيع قانون يُلغي قيصر كليًا. هذا القانون الذي كان يُجرّم أي تعامل تجاري أو مصرفي مع دمشق، كان العائق الفعلي أمام أي انتعاش اقتصادي حقيقي، لأن الدول والشركات الأجنبية كانت تخشى الملاحقة القانونية الأمريكية حتى لو كانت تعمل بمعزل عن واشنطن. إزاحة هذا العائق تعني بعبارة أخرى أن الباب الدولي أمام سوريا فُتح على مصراعيه لأول مرة منذ أكثر من 55 عامًا، وأن أي استثمار خليجي أو أوروبي أو آسيوي في سوريا بات ممكنًا دون خشية العقوبات الثانوية.
كما برزت التحركات الخليجية بوصفها أحد أكثر مؤشرات التحول وضوحًا، فمنذ سقوط نظام الأسد، لعبت دول الخليج العربي خصوصًا المملكة العربية السعودية وقطر دورًا جوهريًا في دعم انفتاح سوريا على محيطها العربي والدولي. وكان لافتًا خلال الأسبوع الماضي وصول وفد إماراتي واسع إلى دمشق ضم ممثلين عن القطاعين الحكومي والخاص، لبحث فرص الاستثمار في قطاعات البنية التحتية والطاقة والعقارات.
ويعكس هذا الحراك قناعة لدى العواصم الخليجية بأن استقرار سوريا جزء من استقرار المنطقة.
ورغم هذا التحول الواسع، تبقى العلاقة مع الاحتلال الإسرائيلي الاستثناء الوحيد في المشهد السوري الجديد، فبينما تتجه دمشق نحو شراكات وتفاهمات مع الإقليم والعالم، لا تزال الجبهة مع إسرائيل خارج أي مسار تهدئة أو تسوية، في ظل استمرار الاحتلال والتوغلات العسكرية والتوترات الأمنية.
ما يحدث اليوم لا يبدو مجرد تحسن عابر في العلاقات الخارجية، بل تحول أعمق في فلسفة إدارة سوريا لعلاقاتها الإقليمية، فالدولة التي ارتبط اسمها لعقود بالصدامات والملفات الأمنية الثقيلة، تحاول اليوم إعادة تقديم نفسها بوصفها شريكًا في الاستقرار الإقليمي وممرًا للتجارة والطاقة والتفاهمات السياسية.
ويبقى التحدي أمام هذا التحول هو قدرة الداخل السوري على مواكبته، وتحويل هذا الانفتاح الخارجي المتسارع إلى استقرار مستدام يعيد تعريف موقع سوريا في المنطقة.