حسن العمري

المنصب ليس مجرد لقب يُضاف إلى الاسم، ولا مكانة اجتماعية تمنح صاحبها نفوذًا وهيبة، بل هو مسؤولية ثقيلة تتطلب وعيًا وخبرة وقدرة على اتخاذ القرار وتحمل نتائجه. فكل موقع قيادي يعني التأثير في الآخرين، وتوجيه جهودهم، وصياغة قرارات قد تنعكس آثارها على مؤسسة كاملة أو على أفراد يعتمدون في استقرارهم على حسن القيادة. لذلك فإن السعي إلى المنصب ينبغي أن يكون مبنيًا على الكفاءة والاستحقاق، لا على الرغبة في تحقيق مكاسب شخصية أو الاتكاء على العلاقات.

الطموح في ذاته قيمة إيجابية تدفع الإنسان إلى التقدم وتحقيق الإنجاز، لكنه يصبح خطرًا حين يسبق الاستعداد الحقيقي. فحين يتولى شخص غير مؤهل موقعًا قياديًا، قد يتخذ قرارات متسرعة، أو يعجز عن إدارة فريقه بعدل وحكمة، أو يفشل في التخطيط السليم ومواجهة التحديات. والنتيجة غالبًا تكون ضعفًا في الأداء، وتراجعًا في الثقة، وشعورًا بالإحباط بين الموظفين. وفي مثل هذه الحالات لا يتضرر الفرد وحده، بل تمتد آثار الخلل إلى الجميع.

القيادة ليست سلطة تمارس، بل أمانة. وهي تحتاج إلى فهم لطبيعة العمل، ومهارات في التواصل، وقدرة على حل المشكلات، واتزان في مواجهة الضغوط. كما تتطلب شجاعة في اتخاذ القرار، وعدلًا في التعامل، ونزاهة في إدارة الصلاحيات. ومن لا يمتلك هذه المقومات بعد، فإن الأجدر به أن يستثمر وقته في تطوير ذاته واكتساب الخبرة، بدل التسرع في طلب موقع قد لا يستطيع الوفاء بمتطلباته.

ومن علامات النضج المهني أن يدرك الإنسان حدود قدراته، وأن يؤمن بأن التدرج طريق طبيعي نحو المسؤولية. فبناء الخبرة خطوة بعد خطوة يمنح صاحبه أساسًا قويًا يستند إليه، ويكسبه احترام من حوله وثقتهم. أما القفز إلى المناصب دون تأهيل كافٍ فقد يؤدي إلى تعثر يصعب تجاوزه، ويترك أثرًا سلبيًا في المسيرة العملية، وقد ينعكس سلبًا على سمعة المنظومة بأكملها.

كما أن الجهات التي تسند المواقع القيادية على أساس العلاقات تضعف مع الوقت، لأن غياب معيار الاستحقاق يخلق بيئة غير عادلة ويثبط همم الكفاءات. بينما حين يكون المعيار هو الجدارة، تنمو روح المنافسة الشريفة، ويشعر الجميع بأن الجهد يُقدَّر والإنجاز يُكافأ.

وأؤكد أن المنصب ليس غاية بحد ذاته، بل وسيلة لخدمة العمل وتحقيق الأهداف المشتركة. ولا ينبغي للإنسان أن يسعى إليه وهو غير مؤهل، لأن القيادة مسؤولية قبل أن تكون امتيازًا. والطريق الصحيح نحوها يمر عبر التعلم المستمر، واكتساب الخبرة، وبناء شخصية قادرة على حمل الأمانة بثبات وعدل.

فالمنصب اختبار لا امتياز؛ يرفع من يستحق، ويكشف من لا يستحق. فلا تسعوا إليه إلا بكفاءة، أو لمنع غير المؤهلين من الوصول إليه.