هاني القحطاني

المعني بهاتين الزيارتين تلك الزيارة التي قام بها الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون إلى الصين عام 1972، والثانية تلك التي تمت للتو في الأسبوع المنصرم عندما زار ترمب الصين. ما بين الزيارتين، وما تمخض عنهما، وما رمزتا إليه، والفجوة الزمنية بينهما، والسياقات التاريخية لكل منهما، تجعل من هاتين الزيارتين محطتين فارقتين في تاريخ العلاقة بين أقوى دولتين حاليا في العالم، وفي تاريخ العلاقات الدولية الراهنة بشكل عام. استغرقت الزيارة الأولى أسبوعا كاملا جال خلالها الرئيس الأمريكي الصين عبر مناطق الصين. أتت الزيارة في سياق إفرازات الحرب العالمية الثانية، وصعود الاتحاد السوفيتي كقطب عالمي ينازع الولايات المتحدة نفوذها في أجزاء واسعة من العالم وفي سياق حرب فيتنام التي مثلت كابوسا لخمس إدارات أمريكية متعاقبة. منذ القدم كانت الصين تنظر للغرب نظرة توجس وريبة ولها في ذلك تاريخ طويل. فإضافة إلى دور الجغرافيا في عزلة الصين النسبية في أقصى شرق آسيا فقد طوقت الصين نفسها بأسوار من الحماية لعل أشهرها ــ إضافة إلى سورها العظيم ــ ما قام به الإمبراطور الصيني هونغ شي خلال عهد المينغ، عندما أمر بإحراق الأسطول البحري الأكبر في التاريخ، بعد عودته من مغامرته الفريدة بقيادة البحار المسلم تشنغ هي، والتي وصلت سواحل الصومال. لقد مثل ذلك الحدث 1433م النزعة الحمائية للصين تجاه الغرب، والحال نفسه ينطبق على جارة الصين اليابان ولكن بصور مختلفة سياسيا وتاريخيا. في هذه الخلفية التاريخية البعيدة نسبيا، أتت زيارة نيكسون لتكسر جليدا ترسب لمئات السنين بين الصين والغرب ممثلا هذه المرة في الولايات المتحدة.

كانت ملفات تايوان والموقف من الاتحاد السوفيتي، بعد الشرخ الذي أصاب المعسكر الشيوعي بقطبيه السوفيتي والصيني، والعلاقة مع الجار اللدود اليابان، وحرب فيتنام، ملفات ساخنة آنذاك. إضافة إلى ذلك فقد أتت هذه الزيارة في أعقاب العام 1971 الذي أعلن فيه نيكسون انتهاء ربط الدولار بغطاء من الذهب، ليصبح الدولار وارتباطه بقوة ونفوذ أمريكا دوليا هو العملة المهيمنة على اقتصاد العالم. تبع هذه الهيمنة السياسية هيمنة اقتصادية اكتسحت العالم إلى اليوم.

كان هذا في الماضي أما اليوم فقد تغير المشهد كثيرا. غير أن محركات التاريخ تبقى ثابتة لا تتغير. فبعد قرون من العزلة والانكفاء والانكسار، يبدو أن الصين قد أدركت أنه لا يمكنها العيش بمعزل عن العالم كما فعلت عبر تاريخها الطويل الذي يزيد عن ألفي عام متواصلة. فها هي تهدم جدران حمايتها التي أبقتها معزولة عن العالم الخارجي. هي لم تغزو العالم عسكريا بل غزته اقتصاديا. وفي واحدة من غرائب التاريخ يبدو أن الصين تريد للغرب أن يشرب من الكأس نفسها التي أجبرها الغرب على الشرب منها، ألا وهي التجارة الحرة. هكذا تبدل المشهد الجيوسياسي بينها وبين الغرب رأسا على عقب.

لم يكن للعالم طوال الأسبوع الماضي حديث غير زيارة ترمب للصين. وقد سبق هذه الزيارة الكثير من التكهنات حول عدد من القضايا الراهنة يأتي في مقدمتها الوضع المتأزم في الخليج والوضع القديم الجديد لتايوان والعلاقات الاقتصادية بين العملاقين، إضافة إلى عدد من القضايا الجيوسياسية في عدد من مناطق العالم المختلفة.

رغم أنه من المبكر الحكم على نتائج هذه الزيارة، إلا أنه يبدو أن نتائجها لا تقارن من قريب أو بعيد بتلك التي قام بها نكسون. ففي حين أن تلك الزيارة قد غيرت مسار العلاقات الأمريكية والغربية عموما تجاه الصين تغييرا جذريا، لا يبدو على الأقل حتى حينه أن هناك الكثير من الإنجازات قد أنجز خلال هذه الزيارة، فما زالت المواضيع الساخنة بين البلدين أو على الساحة الدولية تراوح مكانها.

لعل ما لفت انتباه الخبراء والمحللين السياسيين هو البروتوكول الذي هيمن على أجواء الزيارة لدرجة أنه قد غطى تماما على مضمونها جملة وتفصيلا. لقد عكس هذا البروتوكول من بابه لمحرابه بمقاييس فوق اعتيادية تقاليد دولة تضرب بجذورها في أعماق التاريخ معتزة بتراثها الذي يناهز خمسة آلاف عام في كل تفاصيل الزيارة. هكذا كان البروتوكول وحده (أنظر جزئية تقابل الرئيسين على كرسييهما) كفيلا بترسيخ قيمة الصين كقوة سياسية واقتصادية عظمى وكأنها تثأر لماضيها القريب نسبيا الذي عانى الأمرين من الغرب ذاته.