محمد بن أحمد المقصودي

منذ تأسيس المملكة العربية السعودية كدولة عصرية قوية، ارتبطت شرعيتها التاريخية والسياسية والدينية بخدمة الحرمين الشريفين ورعاية قاصديهما، حتى أصبحت إدارة الحج أحد أعظم المشاريع التنظيمية والإنسانية في العالم المعاصر. فالحج لم يعد مجرد موسم ديني محدود الزمن، بل تحول إلى عملية تشغيلية وقانونية وأمنية وصحية ولوجستية معقدة. تُدار فيها حركة ملايين البشر داخل نطاق جغرافي ضيق وخلال أيام معدودة، وهي مهمة لو أُسندت إلى كثير من الدول والمؤسسات الدولية لتعثرت أمام تعقيداتها.

حين يُذكر الحج في العصر الحديث، فإن الحديث لم يعد مقتصراً على الشعيرة الدينية بوصفها ركناً من أركان الإسلام، بل أصبح الحديث يمتد إلى واحدة من أعقد عمليات الإدارة والتنظيم والسيادة في العالم. فالمملكة العربية السعودية لا تدير موسماً دينياً عابراً، وإنما تتولى مسؤولية تشغيلية وقانونية وأمنية وإنسانية تتعلق بملايين البشر الذين يتوافدون من مختلف دول العالم. خلال فترة زمنية محدودة وفي مساحة جغرافية ذات طبيعة استثنائية، وهو ما جعل تجربة المملكة في إدارة الحج نموذجاً فريداً يستحق الدراسة من منظور القانون الدولي والسيادة الإقليمية.

لقد أنفقت بلادنا الغالية بكل كرم ونوايا صالحة خلال العقود الماضية عشرات المليارات على توسعة الحرمين الشريفين، وتطوير البنية التحتية، وإنشاء شبكات الطرق والأنفاق والجسور والقطارات ومنظومات النقل الذكية، إضافة إلى بناء مراكز صحية وأمنية ومرافق خدمية فئة السبع نجوم وتقنية متقدمة، وكل ذلك دون أن يتحول الحج إلى مشروع اقتصادي بحت، بل ظل مشروعاً سيادياً وإنسانياً ودينياً وخيريا تُسخَّر له إمكانات الدولة ومؤسساتها لخدمة ضيوف الرحمن.

ولم تتوقف الجهود السعودية عند البناء العمراني الراقي، بل امتدت إلى تطوير منظومة تشريعية وتنظيمية متكاملة تشمل التأشيرات، وإدارة الحشود، والتصاريح، ومتطلبات السلامة، وآليات الدخول إلى المشاعر، بما يضمن حماية الأرواح ومنع الفوضى والتدافع، مع توظيف واسع للتقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في متابعة الكثافات البشرية وإدارة الحركة الميدانية. وقد أصبحت التجربة السعودية في إدارة الحشود نموذجاً يدرّس عالمياً لما حققته من كفاءة تشغيلية في التعامل مع ملايين الحجاج خلال فترة زمنية قصيرة.

وبالدخول في الجانب القانوني المحلي والدولي، فإن المملكة تمارس سيادتها الكاملة على أراضيها كافة، بما فيها مكة المكرمة والمدينة المنورة، وذلك وفقاً للقواعد المستقرة في القانون الدولي العام ومبادئ السيادة الإقليمية المعترف بها دولياً. فالحرمين الشريفين يقعان داخل إقليم الدولة السعودية، وتخضع إدارتهما للأنظمة الوطنية شأنهما شأن أي قرية أو مدينة داخل حدودنا السعودية، مع خصوصية دينية وروحية تميزهما عن غيرهما. ولذلك من المهم هنا التمييز بين الحق الديني للمسلمين في أداء الشعائر وبين الملكية والسيادة القانونية على الإقليم؛ فالأول حق تعبدي وروحي واسع، أما الثاني فهو مسألة قانونية وسيادية تخضع لقواعد الدولة وحدودها المعترف بها دولياً. ولذلك فإن العبارة المتداولة إعلامياً بأن مكة المكرمة والمدينة المنورة لجميع المسلمين تُفهم – في سياقها المعنوي – باعتبارها تعبيراً عن الانفتاح الديني وخدمة الأمة الإسلامية، لا باعتبارها توصيفاً قانونياً ينقل السيادة أو ينشئ وضعاً دولياً خاصاً خارج الإطار السيادي للدولة، وفي الموضوع ذاته تقدمت بورقة علمية خاصة وجهد شخصي في هذا الموضوع في أحد المؤتمرات ببريطانيا والتي كانت حول السيادة القانونية للدول. وكان ذلك وقت خرافات الخريف العربي. وكان هدفي الخاص الوطني هو إزالة الوهم والخبث لدى بعض دول الضد. لأنني وجدت أنه في هذا السياق تظهر بين الحين والآخر دعوات لما يسمى بـ«تدويل الحج» أو إخضاع الحرمين لإدارة جماعية أو دولية. فمن الناحية القانونية البحتة دوليا، فإن مثل هذه الطروحات تصطدم مباشرة بمبدأي السيادة الإقليمية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وهي مبادئ راسخة في ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي. كما أن فكرة نزع إدارة جزء من إقليم دولة ذات سيادة دون رضاها تُعد مساساً مباشراً بسلامة الإقليم واختصاصات الدولة الأساسية.

ومن وجهة نظري أجد أن وصف تلك الدعوات بأنها " إعلان حرب" يحتاج إلى قدر من الدقة القانونية؛ فليس كل طرح سياسي أو إعلامي رخيص وساذج يرقى تلقائياً إلى مفهوم الحرب أو العدوان بالمعنى القانوني الدولي. لكن يمكن القول إن الدعوات التي تستهدف نزع الاختصاص السيادي السعودي على الحرمين أو تقويض سلطة الدولة عليهما تُعد – سياسياً وقانونياً – مساساً بالمصالح العليا للمملكة وبوحدة إقليمها، وقد تُفهم بوصفها محاولة للطعن في اختصاص سيادي أصيل، وهو أمر ترفضه قواعد القانون الدولي ومبادئ احترام سيادة الدول وقبل ذلك هيبة ومكانة بلدنا العظيم بين الدول في المنتظم الدولي الاجتماعي والاقتصادي والعسكري.

ولعل المفارقة الكبرى أن كثيراً ممن يطرحون فكرة التدويل يتجاهلون سؤالاً جوهرياً:

من الذي أنفق؟ ومن الذي بنى؟ ومن الذي طور؟ ومن الذي واجه تحديات الكثافة البشرية والأوبئة والأزمات الصحية والتهديدات الأمنية؟ فالواقع يشير إلى أن المملكة وحدها تحملت المسؤولية المالية والتنظيمية والإنسانية، ووضعت منظومات متكاملة لتنظيم دخول الحجاج وإقامتهم وتنقلاتهم، مع وجود أنظمة خاصة بالتأشيرات والإقامة والمحظورات والإجراءات التنظيمية المرتبطة بالحج والعمر. كما أن الحكومة السعودية لم تنظر إلى الحرمين باعتبارهما مجرد موقعين جغرافيين، بل أسست مؤسسات وهيئات متخصصة لتطوير مكة المكرمة والمشاعر المقدسة، وربطت التخطيط العمراني بالخدمة الدينية والتنموية طويلة المدى، بما يعكس رؤية إستراتيجية تتجاوز إدارة الموسم إلى بناء منظومة حضرية مستدامة.

وفي المسار الأمني، فإن منع الشعارات السياسية والمذهبية داخل الحج، وتنظيم التصاريح، وضبط الدخول إلى المشاعر، ليست إجراءات تقييدية كما يظن البعض، بل وسائل قانونية لحماية السلم العام ومنع استغلال الشعيرة لأغراض سياسية أو أيديولوجية قد تهدد سلامة الحجاج أو تعطل أداء المناسك. فالحج عبادة جامعة، وأي محاولة لتحويله إلى منصة صراع سياسي تمثل خروجاً عن مقصده الشرعي ووظيفته الإنسانية.

إن التجربة السعودية الرائدة في الحج لم تُبنَ على الخطاب الدعائي، بل على العمل والتخطيط والإنفاق والتطوير المستمر. ولذلك فإن الحديث عن الحرمين يجب أن ينطلق من معادلة متوازنة:

قدسية المكان لجميع المسلمين، والسيادة القانونية للدولة السعودية، والمسؤولية التنظيمية التي تحملتها المملكة تاريخياً وعملياً.

إن خدمة الحرمين ليست امتيازاً سياسياً بقدر ما هي مسؤولية حضارية ضخمة حملتها المملكة لعقود طويلة، ونجحت – رغم ضخامة التحديات – في تحويل موسم الحج إلى نموذج عالمي في الإدارة والأمن والتنظيم. ولهذا فإن أي نقاش حول الحج ينبغي أن يقوم على احترام الحق الديني للمسلمين من جهة، واحترام السيادة الوطنية والقانون الدولي من جهة أخرى، لأن الفصل بين الأمرين هو الطريق الأقرب للفهم القانوني السليم، والأبعد عن التسييس والمزايدات.

إن نجاح المملكة العربية السعودية في إدارة الحج لا يمثل إنجازاً وطنياً فحسب، بل يعكس نموذجاً دولياً متقدماً في التوفيق بين الواجب الديني والمسؤولية الإنسانية والسيادة القانونية. وقد أثبتت المملكة عبر عقود طويلة أن خدمة الحرمين الشريفين ليست ممارسة إدارية مؤقتة، بل مشروع حضاري متكامل قائم على التنظيم والتطوير والاستثمار وحماية الأرواح وصون قدسية الشعيرة.

وفي خاتمة هذا التحليل السلمي أستطيع أن أؤكد أن أي نقاش يتعلق بالحج ينبغي أن ينطلق من احترام الحق الديني للمسلمين كافة، مع الالتزام في الوقت ذاته بمبادئ السيادة الوطنية والقانون الدولي وعدم التدخل في الاختصاصات السيادية للدول، وأن محاولات إثارة الجدل أو الدفع نحو التدخل – بأي صورة كانت – في تنظيم الحج أو الدعوة إلى تدويله، لا تمثل مجرد اختلاف في الرأي، بل قد تُفهم بوصفها مساساً باختصاص سيادي أصيل للمملكة العربية السعودية وتحدياً لمركز قانوني مستقر تحكمه قواعد القانون الدولي العام.

ولعل من الحكمة أن يُدرك الجميع أن السعوديين لم ينظروا إلى خدمة الحرمين بوصفها امتيازاً أو مكسباً، بل حملاً تاريخياً ومسؤولية دينية ووطنية حملوها جيلاً بعد جيل، وأن المساس بهذه المسؤولية أو محاولة منازعتهم فيها أو استفزازهم حولها لن يُنتج إلا مزيداً من التمسك بحقهم السيادي ومشروعهم الحضاري.

وخلاصة القول، ويل كل الويل لمن يختار طريق التحريش أو إثارة النزاع حول ما وحّد السعوديين قيادةً وشعباً، وجعل من خدمة الحرمين قضية سيادة وواجب شرف قبل أن تكون مهمة إدارية أو سياسية.

لذلك يبقى الحج مساحة للوحدة والسكينة، وتبقى خدمة ضيوف الرحمن مسؤولية تُدار بالحكمة والتنظيم واحترام القانون، بعيداً عن التسييس والمزايدات الرخيصة والصراعات والله الموفق.