سالم بن محمد آل جفشر

تمثل موافقة مجلس الوزراء السعودي على اللائحة التنفيذية لنظام حماية المبلغين والشهود والخبراء والضحايا خطوة وطنية في ترسيخ النزاهة وحماية المال العام وتعزيز الثقة بالمؤسسات فهي تؤكد أن مكافحة الفساد لم تعد إجراء رقابيا لاحقا بل أصبحت مسارا مؤسسيا يحمي الإنسان ويصون المال العام ويجعل الإبلاغ المسؤول طريقا آمنا للوصول إلى الحقيقة عبر القنوات النظامية لا عبر التشهير والضجيج.

فالفساد لا يهدد المال العام وحده بل يهدد العدالة وكفاءة الأداء وسمعة المؤسسات وثقة المجتمع وعندما يجد بيئة صامتة يتمدد أما حين يجد مواطنا واعيا أو موظفا نزيها يبلغ عبر الطريق الصحيح فإنه ينكمش ويصبح أقرب إلى المساءلة، ولهذا فإن حماية المبلغين حماية للدولة والمؤسسة والمجتمع من آثار التجاوز واستغلال السلطة.

إن المبلغ الصادق ليس خصما للمؤسسة التي يبلغ عنها بل شريك في حمايتها من الداخل فهو لا يهدمها بل ينقذها من ضرر أكبر ويمنح الجهات المختصة فرصة للتحقق والمعالجة قبل أن يتحول الخلل إلى أزمة يصعب احتواؤها.

أخطر ما يواجه قضايا الفساد اليوم هو الانخداع بضجيج بعض مشاهير الفلس ومنصات الإثارة التي تقدم نفسها وكأنها بديل عن الجهات الرسمية، وتحول الشبهات إلى محتوى قابل للتداول وجمع المشاهدات. فحين يحمل الشخص شبهة فساد إلى حساب مشهور بدلا من هيئة الرقابة ومكافحة الفساد فإنه يخرج القضية من مسارها الصحيح، ويدفعها إلى فضاء التأويل والتشهير.

" المشاهير" لا يملكون صلاحية التحقيق ولا أدوات التحقق ولا حق المساءلة ولا القدرة على حماية المبلغ، وإنما يملكون منصة وجمهورا وقدرة على إشعال الرأي العام، وهذا مكمن الخطر لأن شبهة الفساد إذا طرحت إعلاميا قبل وصولها إلى الجهة المختصة فقد تختلط فيها الحقيقة بالشائعة والوثيقة بالانطباع، وقد يتضرر منها الأبرياء وتضعف قيمة الدليل وتتحول من ملف نظامي إلى مادة جدل لا تضبطها قواعد العدالة ولا سرية الإجراءات.

لذلك يجب أن يكون الوعي واضحا، فمن يملك معلومة موثقة عن شبهة فساد فليذهب بها إلى هيئة الرقابة ومكافحة الفساد لا إلى مشاهير المنصات، ومن يملك دليلا فليقدمه عبر القنوات الرسمية، لا عبر المقاطع والمنشورات، ومن يريد حماية المال العام فليختر الطريق الذي يحمي الوطن لا الطريق الذي يشوه المؤسسات ويصنع ضجيجا بلا نتيجة.

إن نشر شبهات الفساد عبر وسائل التواصل أو تسليمها لمشاهير الإثارنة قد يحدث ضررا أكبر من الضرر المراد إصلاحه، لأنه يسيء إلى سمعة الجهة قبل التحقق، ويؤثر في ثقة المجتمع، ويعرض صاحب البلاغ للمساءلة إذا كانت المعلومات ناقصة أو غير دقيقة، كما قد يحول القضية إلى نزاع إعلامي بدلا من أن تبقى ملفا نظاميا محكما.

الإعلام الواعي ليس بديلا عن الجهات الرقابية، ولا يتحول إلى محكمة شعبية تصدر الأحكام قبل التحقيق، فدوره في قضايا النزاهة أن يرفع الوعي ويشرح الأنظمة ويشجع على استخدام القنوات الرسمية، ويحذر من التشهير، ولا يفتح الباب للاتهامات غير المكتملة.

أدعو كل موظف في القطاعين العام والخاص، وكل مواطن أو مقيم، يطلع على شبهة فساد أو تجاوز مالي أو إداري أن يكون بلاغه في مساره الآمن عبر " هيئة الرقابة ومكافحة الفساد " من خلال القنوات الرسمية المعتمدة، فهذه الطرق تحفظ سرية البلاغ وتصون حق المبلغ، وتمكن الجهات المعنية من التحقق والمساءلة وفق النظام.

الجرأة الحقيقية ليست في النشر العشوائي، بل في البلاغ المسؤول، والشجاعة الوطنية ليست في التشهير، بل في وضع الحقيقة أمام الجهة التي تملك الحق والصلاحية.

وفي النهاية، محاربة الفساد مسؤولية وطنية، تبدأ من الفرد، وتنضبط بالمؤسسة، وتكتمل بقوة القانون، وكل من يرى شبهة فساد ويملك معلومة موثقة، عليه الإبلاغ، لا الإثارة، وأن يذهب إلى " هيئة الرقابة ومكافحة الفساد" لا إلى " مشاهير الفلس". فحين يصبح الإبلاغ الآمن " ثقافة عامة" يصبح الفساد أكثر عزلة، و المؤسسات أكثر قو، ويصبح الوطن أكثر قدرة على حماية منجزاته وموارده وسمعته.