أرى أن الاتصال الهاتفي يظل الوسيلة الأكثر دفئاً وصدقاً في التواصل بين الناس، فالصوت ينقل المشاعر كما هي
ويكشف الاهتمام الحقيقي، ويمنح الطرف الآخر إحساسا بأنه يحظى بمكانة خاصة، فكثيراً ما يكون اتصال قصير
للاطمئنان أكثر أثراً في النفس من عشرات الرسائل المختصرة التي قد تُقرأ على عجل أو تؤجل الإجابة عنها. أما الرسائل النصية فهي بلا شك وسيلة مفيدة وضرورية في كثير من المواقف، خاصة عندما لا تسمح الظروف بإجراء
مكالمة أو عندما يكون المطلوب نقل معلومة سريعة، إلا أن الاكتفاء بها في جميع المناسبات قد يجعل العلاقات أكثر سطحية؛ لأن الكلمات المكتوبة لا تستطيع أن تنقل نبرة الصوت أو مشاعر الفرح والقلق والاهتمام بالقدر نفسه.
ومع استمرار الاعتماد على الرسائل وحدها قد نشهد تغيرات اجتماعية تستحق الانتباه، فقد تضعف صلة الأرحام وتتراجع الزيارات والمكالمات، ويصبح التواصل مجرد كلمات مقتضبة تخلو من الحوار الحقيقي، كما قد يفقد كثير من الناس مهارات الإنصات والتعبير الشفهي، وهي مهارات أساسية في بناء الثقة وتعميق العلاقات الإنسانية.
إن التقنية في ذاتها ليست المشكلة بل تكمن المشكلة في طريقة استخدامها، فإذا أصبحت بديلاً عن التواصل الإنساني المباشر فقد نفقد مع الوقت جانباً مهماً من دفء العلاقات، أما إذا استخدمت وسيلة مساندة تجمع بين
الرسائل عند الحاجة والمكالمات عند السؤال والاطمئنان، فإنها تسهم في تقريب المسافات دون أن تضعف الروابط
الاجتماعية.
وفي الختام يبقى الإنسان بحاجة إلى أن يسمع صوت من يحب لأن؛ الصوت يحمل من المشاعر ما لا تستطيع الحروف أن تنقله، وقد لا يستغرق الاتصال الهاتفي سوى دقائق معدودة لكنه يترك أثراً طيباً يدوم طويلاً، ويؤكد أن العلاقات الإنسانية لا تقاس بعدد الرسائل المتبادلة بل بصدق الاهتمام وحرص كل طرف على البقاء قريبا من الطرف الآخر.