عندما تنظر إلى خريطة هولندا، قد يصعب أن تتخيل أن الماء يمكن أن يكون واحدا من أكبر مصادر القلق في بلد يبدو هادئا ومستقرا. لكن الهولنديين يعرفون أن البحر ليس بعيدا عن حياتهم. فجزء كبير من أراضي بلادهم يقع عند مستوى سطح البحر أو تحته، وبعضها لم يكن ليصبح صالحا للسكن والزراعة لولا شبكة معقدة من السدود والحواجز والقنوات وأنظمة تصريف المياه. لكن الهولنديين لم يصلوا إلى هذه الدرجة من الاستعداد لأنهم أكثر حظا من غيرهم، بل لأنهم تعلموا من كارثة قاسية.

في شتاء عام 1953، ضربت عاصفة بحرية قوية سواحل هولندا، وارتفعت مياه بحر الشمال واخترقت الحواجز المائية وغمرت مساحات واسعة من البلاد. كانت النتيجة مأساوية؛ فقد توفي عشرات الآلاف من الأشخاص، ودُمرت آلاف المنازل، ونفقت أعداد كبيرة من الحيوانات، وتركت الكارثة آثارا عميقة في المجتمع الهولندي. كان يمكن أن تنتهي القصة بانحسار المياه وعودة الناس إلى منازلهم، كما يحدث بعد كثير من الكوارث. لكن هولندا اختارت أن تتعامل مع الكارثة بطريقة مختلفة.

بدأت الدولة مشروعا واسعا لحماية البلاد من الفيضانات، وأصبحت إدارة المياه جزءا أساسيا من التخطيط الوطني. أنشئت سدود وحواجز، وطورت أنظمة تصريف، وأعيد تصميم مناطق ساحلية، وأصبحت مخاطر الفيضانات حاضرة في التخطيط العمراني والهندسي. لكن الأهم من كل ذلك أن الهولنديين غيّروا طريقة تفكيرهم. لم يقولوا كيف نمنع الفيضان إلى الأبد؟ كان السؤال أكثر واقعية: كيف نعيش مع احتمال الفيضان، ونقلل قدرته على تدمير حياتنا عندما يأتي؟ وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية لإدارة المخاطر.


فنحن أحيانًا ما نتعامل مع المخاطر بطريقة مختلفة. لا نلتفت إليها إلا عندما تتحول إلى مشكلة أمام أعيننا. عندما تجري السيول في الشوارع، نبدأ في التفكير في تصريف المياه. وعندما يتعرض مبنى لأضرار بسبب الرياح أو الأمطار، نبدأ في التساؤل عن جودة البناء. وعندما تنقطع خدمة أساسية بسبب حدث مفاجئ، نسأل لماذا لم تكن هناك خطة بديلة. لكن إدارة المخاطر تبدأ في وقت مختلف، قبل أن يحدث شيء. والمقصود بإدارة المخاطر، أن ننظر إلى المستقبل ونسأل ما الذي يمكن أن يحدث؟ وإذا حدث، ماذا سيحدث لنا؟ ومن سيتضرر؟ وما الذي نستطيع فعله الآن حتى تكون الخسائر أقل؟ قد يبدو الأمر بسيطا، لكنه في الحقيقة يحتاج إلى طريقة مختلفة في التفكير.

فالخطر الطبيعي ليس بالضرورة كارثة. المطر الغزير ليس كارثة، والزلزال ليس كارثة بحد ذاته، والرياح القوية ليست كارثة في كل مرة. الخطر يتحول إلى كارثة عندما يجد أمامه مجتمعا أو مدينة أو منشأة شديدة القابلية للتضرر. زلزال قوي في منطقة غير مأهولة قد يمر دون خسائر بشرية تذكر، بينما زلزال أقل قوة في مدينة مكتظة بمبانٍ ضعيفة قد يؤدي إلى آلاف الضحايا. والأمر نفسه ينطبق على المياه. فالماء الذي يروي الأرض ويملأ السدود قد يصبح في ساعات قليلة قوة مدمرة إذا دخل منزلا أو مستشفى أو مدرسة أو أغلق طريقًا رئيسيا. إذن، المشكلة ليست دائمًا في الخطر نفسه، وإنما فيما يوجد في طريقه ومدى استعدادنا لمواجهته. وهذه الفكرة تستحق أن نتوقف عندها.

فنحن لا نستطيع أن نمنع الخطر. فلا يمكننا منع المطر من الهطول، ولا إيقاف الزلازل، ولا التحكم في العواصف. لكننا نستطيع أن نقرر أين نبني، وكيف نبني، وكيف نصمم الطرق، وأين نضع المستشفيات والمدارس، وكيف نحذر الناس، ومتى نخلي المناطق الخطرة، وكيف نحافظ على الخدمات الأساسية عندما تتعرض المدينة لحدث كبير. وهذه القرارات، وإن بدت عادية في الأيام الهادئة، قد تصبح في لحظة ما قرارات تنقذ الأرواح. المشكلة أن الوقاية لا تحظى دائمًا بالاهتمام نفسه الذي تحصل عليه الاستجابة بعد وقوع الكارثة.

عندما تقع كارثة، تتجه الأنظار إلى فرق الإنقاذ والإسعاف والطوارئ. وهذا طبيعي. لكن قليلين يتذكرون الأشخاص الذين عملوا قبل سنوات على إعداد خريطة للمناطق الخطرة، أو المهندس الذي شدد متطلبات البناء، أو المسؤول الذي منع إنشاء مشروع في منطقة معرضة للفيضان، أو الفريق الذي طور نظام إنذار مبكرا. ومع ذلك، قد تكون هذه الإجراءات هي التي منعت الكارثة من أن تكون أكبر. وهنا تكمن إحدى المفارقات الجميلة في إدارة المخاطر، أفضل نجاح لها هو أن تمر الكارثة دون أن نعرف حجم الكارثة التي تم تجنبها.

إذا منع سد سيلا عن مدينة، فلن يرى الناس السيل الذي لم يصل إليهم. وإذا حذر نظام إنذار مبكر آلاف الأشخاص من الاقتراب من منطقة خطرة، فلن نعرف عدد الحوادث التي لم تقع بسبب ذلك التحذير. ولهذا يصعب إقناع الناس بأهمية الاستثمار في إدارة المخاطر. كيف تقنع شخصا بإنفاق المال على خطر لم يقع؟ لأن تكلفة الاستعداد غالبا ما تكون أقل بكثير من تكلفة عدم الاستعداد. لكن هذا لا يعني أن إدارة المخاطر تعني إنفاق الأموال بلا حدود. على العكس، الإدارة الجيدة للمخاطر تعني اختيار ما يستحق أن ننفق عليه، وما يمكن تقليل خطره بإجراء بسيط، وما يحتاج إلى مشروع كبير، وما يمكن التعامل معه بالإنذار أو التدريب أو التوعية. فليس كل خطر يحتاج إلى سد، وليس كل خطر يحتاج إلى منشأة ضخمة. أحيانًا يكون تغيير مسار طريق هو الحل. وأحيانًا يكون منع البناء في موقع معين هو الحل. وفي حالات أخرى قد يكون الحل تدريب السكان أو تحسين نظام الإنذار.

لا تنتظر الكارثة حتى تعرف أين تكمن نقاط ضعفك. فالمجتمع الذي يعرف نقاط ضعفه يستطيع أن يعمل عليها قبل أن تختبرها الكارثة. وهذه القاعدة لا تنطبق على الدول فقط، بل على المؤسسات والأسر والأفراد أيضًا. كل مؤسسة، مهما كان حجمها، يمكن أن تسأل نفسها ماذا لو انقطعت الكهرباء؟ ماذا لو تعطل النظام الإلكتروني؟ ماذا لو أغلقت الأمطار الطريق المؤدي إلى مقرنا؟ ماذا لو اضطررنا إلى إخلاء المبنى؟ هل نستطيع الاستمرار في العمل؟ هل نعرف من يتخذ القرار؟ وهل يعرف الموظفون ماذا يفعلون؟ والأسرة تستطيع أن تسأل الأسئلة نفسها بطريقة أبسط ماذا سنفعل إذا اضطررنا إلى مغادرة المنزل؟ أين سنلتقي؟ بمن سنتصل؟ وهل يعرف أطفالنا ماذا يفعلون في حالة الطوارئ؟ هذه ليست أسئلة تشاؤمية. إنها أسئلة شخص يريد أن يكون مستعدًا.

وربما هذه هي النقطة التي نحتاج إلى تغييرها في نظرتنا إلى إدارة المخاطر. فالاستعداد للخطر لا يعني أننا نتوقع الأسوأ، وإنما يعني أننا نرفض أن نترك مستقبلنا للصدفة. لقد فهم الهولنديون هذه الحقيقة بعد كارثة عام 1953. ومنذ ذلك الوقت، لم يكتفوا ببناء الحواجز، بل بنوا معها ثقافة كاملة لإدارة المياه والعيش في بيئة معرضة للفيضانات. والدرس الأهم من تجربتهم ليس أن على كل دولة أن تبني سدودا مثل هولندا، فهذا غير منطقي. الدرس هو أن لكل مجتمع أخطاره، وعليه أن يعرفها ويتعامل معها قبل أن تتحول إلى خسائر. فالمدينة التي تعرف أن منطقة معينة معرضة للسيول يمكنها أن تخطط قبل البناء. والمؤسسة التي تعرف أنها تعتمد على نظام إلكتروني واحد يمكنها أن تضع بديلًا. والأسرة التي تعرف أن منزلها يقع في منطقة معرضة لخطر معين يمكنها أن تستعد. والمواطن الذي يعرف كيف يتصرف عند صدور تحذير رسمي قد يحمي نفسه وأسرته قبل أن تصل فرق الإنقاذ. لا نستطيع اختيار الأخطار التي ستواجهنا، لكننا نستطيع أن نختار مقدار استعدادنا لها.