عندما يكبر الإنسان، يكبر معه كل من حوله؛ الأصدقاء والأقارب والأخلاء والأصفياء والأحباب. وتكبر معهم هموم الحياة وظروفها، بقسوتها وحلاوتها، بمرارتها وأفراحها. وقد تتجاوز هذه الهموم أعمارهم ومكانهم ومكانتهم.

وليس من المؤكد، ولا من الضروري، أن قريبك أو صديقك أو زميلك الذي طالما مازحته وداعبته وعاتبته، وربما «هاوشته» وتشيطنت عليه، هو نفسه ذلك الشخص الذي كان يصبر ويتحمل ويمرر ويتنازل، ويأخذ ويعطي معك كما عهدته.

فقد كبر به العمر، وزادت الأحمال، وتكالبت الأثقال، وتعددت المسؤوليات، وربما ظهرت الأمراض وتراجعت الصحة. وكبرت معها ظروف الحياة بكل تفاصيلها، وتغيرت الأفكار، وتبدل الطموح، وكبر الأبناء وأصبح هناك أحفاد، وأصبح الإنسان منشغلًا بأمور كثيرة، أغلبها ربما ليس له فيها ناقة ولا جمل، لكنه الشعور بديمومة المسؤولية، والإحساس بأن القادم من الحياة يحتاج منه إلى مزيد من الحذر والاهتمام.


لذلك علينا أن نتنبه إلى مثل هذه الأمور في تعاملاتنا اليومية، وألا نجرح أحدًا أو نؤذي أحدًا، وأن نتقبل بعضنا بعضًا، مؤمنين بأن دوام الحال من المحال، وأن النفوس والأمزجة تتغير، وأن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.

هذا الكلام، وإن غلب عليه الطابع الفلسفي والتأملي، فإنه قريب جدًا من واقع كثير من الناس في زماننا هذا.

فقد تجد يومًا من الأيام أن صديقك العزيز، أو قريبك الحبيب، أو زميلك النجيب، قد تغير عليك بسبب موقف عابر حدث بينكما. ربما كان الموقف عفويًا، أو بسبب مزحة لم يُحسن استقبالها، أو بسبب نصيحة قدمتها له بحسن نية، وربما لاحظت تغيره دون أن تعرف سببًا واضحًا.

والأغرب أن مثل هذه المواقف ربما كانت تحدث بينكما بشكل شبه يومي، وكنت أنت وهو تتقبلانها بحب وعفوية، فما الذي حدث يا صديقي؟ وما الذي غيرك؟

البعض يقول: ربما المال! والبعض يقول: ربما هي المصلحة، وقد انتهت المصلحة التي كانت تجمعكما. قد يقول آخرون: إنها شوفة النفس والكبر.

وهناك من يقول، من بعيد وبصوت خافت: ربما لم يكن ذلك الشخص يحبك أصلًا، وإنما كان يجامل لأمرٍ ما، فلما انتهى الأمر وتحقق ما أراده، أغلق نافذة الود، وأسدل ستار المحبة.

كل ذلك ممكن أن يحدث بين أطياف الناس؛ فهم في النهاية بشر، يصيبون ويخطئون، وتتغير أمزجتهم وأفكارهم وميولهم، ولهم أسرارهم وظروفهم التي قد لا نعرف عنها شيئًا.

لكن يبقى الأهم من كل ذلك: حين تنتهي العلاقة، أو يحدث الابتعاد والافتراق، يجب أن تبقى الأخلاق.

فما كان بينك وبين صديق الأمس من أسرار وأخبار وخصوصيات، لا يصبح مباحًا لمجرد أن الود انتهى. وما قيل في المجالس الخاصة يجب أن يبقى في تلك المجالس، وما اؤتمنت عليه من أسرار لا يجوز أن يتحول إلى سلاح تستخدمه عند الخصومة.

حفظ الأسرار بعد انتهاء العلاقات من أخلاق الكبار، ومن خوادش المروءة أن يتحول الود القديم إلى أذى، وأن تصبح الخصومة بابًا لكشف ما كان مستورًا بين الأصدقاء والأقرباء والأحباء.