ولا عيب في التصوير ولا في الاحتفاظ بالذكريات ولا في مشاركة بعض الصور مع من نحب، لكن المشكلة تبدأ حين تتحول المشاركة إلى التزام، ويصبح الهاتف حاضرًا في كل لحظة، وتتحول الأسرة من مستمتعة بالرحلة إلى فريق تصوير منشغل بصناعة محتوى للآخرين، فلسنا ضد التصوير بل ضد أن تتحول الرحلة التي دفعنا ثمنها لنستمتع بها إلى عرض نقضي جزءًا من وقتنا في إعداده للآخرين.
متعة السفر ليست في أن يعرف الناس أين ذهبنا وأين أقمنا وماذا أكلنا بل في أن نكون نحن فعلًا حيث ذهبنا، وأن نجلس أمام البحر دون التفكير في زاوية التصوير، وأن نتأمل مدينة جديدة دون الانشغال بمن شاهد ومن علّق، وأن تجتمع الأسرة حول مائدة دون أن يكون الهاتف أول الجالسين إليها.
بعض اللحظات تزداد جمالًا لأنها خاصة وبعض الذكريات ترتفع قيمتها لأنها بقيت بين أصحابها فاللحظة الجميلة لا تحتاج إلى جمهور حتى تصبح جميلة والسعادة لا تحتاج إلى شاهد حتى تكون حقيقية.
وللخصوصية قيمة لا ينبغي إغفالها، فليس مطلوبًا منك أن تري الناس كل ما ترى، ولا أن تجعل تفاصيل سفرك وإقامتك وتحركاتك ومشترياتك متاحة للجميع، فليس كل ما نعيشه بحاجة إلى أن يعرفه كل من يتابعنا، والحكمة أن يبقى للإنسان ولأسرته جزء من الحياة لا يراه الآخرون.
والأغرب أن بعض الناس قد يحمّل نفسه تكاليف تفوق قدرته، ثم يقضي جزءًا من الرحلة في صناعة الصور والمقاطع، وقد يختار الفندق والمطعم والمكان لجمال الصورة أكثر من جمال التجربة، وكأن الرحلة أصبحت وسيلة لإقناع الآخرين بأننا سعداء بدل أن تكون فرصة لنكون سعداء فعلًا.
وقد نجامل المسافر على صورة ونكتب له روعة المكان ورحلة سعيدة، ثم نغلق الهاتف ونعود إلى حياتنا بينما هو من دفع المال والوقت لصناعة صورة قد لا تبقى في ذاكرتنا إلا لحظات.
فمن طلب منكم كل ذلك
عيشوا المكان قبل أن تصوروه. واستمتعوا باللحظة قبل أن تشاركوها، والتقطوا ما يحفظ ذكريات أطفالكم وأهلكم لكن لا تجعلوا الكاميرا تقود الرحلة، ولا تجعلوا إعجاب الآخرين مقياسًا لجمالها.
نريدكم أن تستمتعوا بإجازاتكم وأن تعودوا إلينا سالمين مرتاحين محملين بذكريات عشتُموها أنتم لا بمحتوى صنعتموه للآخرين.
فأجمل الرحلات ليست أكثرها صورًا بل أكثرها حضورًا في الذاكرة.