تشهد مدننا في السعودية نهضة عمرانية كبيرة، ومعدل نمو وتوسع سريع، خاصة في المدن الرئيسية والكبرى. ويكفي أن نتأمل أن إجمالي الوحدات السكنية المضافة إلى المعروض السكني في المملكة تجاوز 700 ألف وحدة حتى نهاية عام 2025، ضمن مستهدفات برنامج الإسكان في رؤية السعودية 2030.

ويعد هذا رقمًا كبيرًا تحقق خلال فترة زمنية قصيرة، ويعكس نجاحًا مهمًا في رفع نسبة تملك المواطنين السعوديين للمساكن، وهو إنجاز يستحق الإشادة.

لكن ارتفاع عدد الوحدات السكنية يعني أيضًا إنشاء أحياء جديدة وتطوير مناطق واسعة داخل المدن، وهنا تكمن القضية التي أريد تناولها. فبعض الأحياء ما زالت تُخطط باعتبارها مساحات للبناء فقط؛ أحياء صامتة لا تنبض بالحياة، مجرد قطع أراضٍ تُقسم وتُباع لتُقام عليها وحدات سكنية، دون أن يصاحب ذلك تصور متكامل لرفع جودة حياة الإنسان.


هذه الأحياء تفتقر إلى المدارس النموذجية التي ترتقي بالتعليم، والحدائق العامة، وممرات المشاة والدراجات، والملاعب، والمراكز الثقافية، والمساحات الخضراء التي تجعل الحي مكانًا للعيش لا مجرد مكان للسكن. كما أن تطوير المساحات التجارية غالبًا ما يقتصر على المطاعم والمقاهي، حتى أصبحت مدننا في كثير من الأحيان عبارة عن منازل وعمائر سكنية تحيط بها المطاعم، وكأن حياة الإنسان تختزل في أن ينام ويأكل فقط.

ومن الإنصاف الإشارة إلى أن المملكة بدأت تتبنى هذا المفهوم في عدد من المشاريع الحديثة، وعلى رأسها مشاريع مجموعة روشن التابعة لصندوق الاستثمارات العامة، والتي تقوم على إنشاء مجمعات سكنية متكاملة تضم المدارس، والمساجد، والحدائق، وممرات المشاة والدراجات، والمرافق الصحية والتجارية والترفيهية، بهدف رفع جودة الحياة، لا الاكتفاء ببناء المنازل. وهذا نموذج حضري متقدم يستحق أن يُعمم على جميع مشاريع التوسع العمراني في مختلف مدن المملكة، حتى تصبح الأحياء الجديدة بيئات نابضة بالحياة، لا مجرد تجمعات إسمنتية.

بناء المدن لا يقاس بعدد الأبراج أو الوحدات السكنية، وإنما بقدرتها على صناعة إنسان يعيش في بيئة صحية، يجد فيها التعليم، والترفيه، والرياضة، والثقافة، والخدمات، دون أن يضطر إلى قطع مسافات طويلة. فالمدينة الناجحة ليست تلك التي تكثر فيها المباني، بل تلك التي تجعل الإنسان يرغب في أن يعيش فيها.