أثار القرار الأخير الصادر عن جامعة الملك سعود، القاضي بإلغاء جملة من التخصصات الإنسانية - وعلى رأسها اللغة العربية، التاريخ، الجغرافيا، وعلم الاجتماع.... - عاصفة نقد من بعض المهتمين والكتاب، ورغم أن الجامعة سرعان ما آبت إلى جادة التريث والعدول عن القرار إثر موجة من النقد. إلا أن هذا الحدث يفتح بابًا واسعًا أمام قراءة تحليلية ونقدية فاحصة تتجاوز ظواهر الأحداث.
أولًا القرار الذي صدر عن الجامعة كان الظن به أنه لم يصدر إلا بعد عمل دراسة رصينة تقيس مدى أهمية هذه التخصصات من ناحية، ومتطلبات سوق العمل من ناحية ثانية، وتطوير التخصصات وفق متطلبات رؤية 2030 من ناحية ثالثة. وهنا أقول: كيف يُفسر الرجوع عن القرار بعد انتقاد بعض المعنيين له؟
كان الظنُّ بقرارٍ بهذا الحجم - يصدر عن صرح أكاديمي عريق - أن يكون نتاج دراسات إستراتيجية رصينة، لا تكتفي برصد الأرقام الجافة، بل توازن بين ثلاثة مرتكزات جوهرية:
القيمة الجوهرية للتخصص باعتبار هذه العلوم ركائز للهوية الوطنية والوعي الإنساني، واستحقاقات سوق العمل وفق قراءة ديناميكية لا تحصر الوظيفة في القوالب التقليدية، ومستهدفات رؤية 2030 التي تنادي بتطوير الإنسان والاعتزاز بجذوره الثقافية في آنٍ واحد.
لذا؛ فإنَّ تراجع الجامعة السريع أمام ضغط الرأي العام المختص يطرح تساؤلًا جوهريًا حول آليات صنع القرار الأكاديمي، فكيف يُفسَّر هذا؟ هل هو انكشاف القصور في الدراسة؟ أم هل أغفلت الدراسة الأبعاد النوعية لهذه التخصصات، وركزت على معايير كمية، ممَّا جعلها تعدل أمام أول مواجهة مع الحجج المقابلة التي تثبت حيوية هذه العلوم في بناء القوة الناعمة للدولة. وعلى الجانب الآخر، نجد أن أصوات المنتقدين - رغم وجاهة منطلقاتها - قد ركنت إلى خطابٍ عاطفي يرى في هذه التخصصات محميات فكرية يجب ألا تُمسّ، بحجة أنها تشكل وجدان الأمة وانتماءها، وهو كلامٌ يحمل في ظاهره الوعي، لكنه في جوهره يغفل مكمن الداء، فالأزمة لم تكن يومًا في وجود اللغة العربية أو التاريخ، كعلوم، بل في كيفية تقديمها كنموذج مؤثر في الحياة. إنَّ الإبقاء على هذه الأقسام بصيغتها التقليدية، التي تكتفي بتوريث المعارف؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟. فالتخصص الذي لا يتطور ليكون لغةً للعصر، وأداة للتحليل، ورافدًا للتنمية، يتحول بالضرورة إلى عبءٍ على الدولة والمجتمع، لا يعدو أن يكون ناقلًا لبعض العلوم والمعارف حافظًا لها.
إنَّ خريجًا يتقن قواعد اللغة ولا يتقن أدوات التواصل الحديثة، أو يحفظ تواريخ المعارك ولا يدرك أبعاد الصراعات الجيوسياسية المعاصرة، هو خريج معزول عن وطنه وعصره.
إننا بحاجة الاستجابة لتحولات الواقع بالتطوير والابتكار في البحث العلمي، وتطوير برامج العلوم الإنسانية؛ لنحولها من حواضن للحفظ إلى منصات للتفكير الإستراتيجي؛ بحيث يتخرج الطالب مزودًا بالهوية الوطنية الحقة، ومُسلحًا في الوقت ذاته بمهاراتٍ تجعل منه رقمًا صعبًا في سوق العمل، لا مجرد ناقلٍ لمعارف لا يدرك أثرها في واقعنا، ونحن في المملكة العربية السعودية، لم نعد نملك ترف الإبقاء على مناهج أو تخصصات لا تمنح جدوى واضحة في صياغة هوية المواطن من ناحية وامتلاكه العقل الواعي الناقد من ناحية أخرى، والمرحلة الراهنة تتطلب لغة أكاديمية تتجاوز التقليد إلى التجديد، وتضع بناء الإنسان في قلب العملية التنموية. لقد كان مؤملًا بالجامعة، من واقع مسؤوليتها الوطنية والأكاديمية، أنَّ تجلي مقاصدها من وراء قرار الإلغاء أو الإبقاء ببيانٍ شافٍ وتواصل مؤسسيٍ شفاف، فالاكتفاء بمبررات مختزلة ممارسة تفتح أبواب التأويل، وتربك الرأي العام أكثر ممَّا تقنعه، ومسؤولية الجامعة تكتمل بقدرتها على صياغة حجة الإقناع، وإشراك المجتمع في غايات التطوير، ولستُ هنا معنيًا ببيان الإلغاء أو الإبقاء لكني أُعنَى بإيضاح ثلاثة أمور:
الأول: أرى أنه لا يصح اتخاذ قرار إستراتيجي بمعزل عن استشارة المختصين المخلصين من أبناء الوطن وأصحاب الكفاءات وما أكثرهم. فهم الأقدر على قراءة الميدان واستشراف مآلات التغيير، ودراسة التوازنات الموضوعية من كافة الاتجاهات قبل إعلان أي تحول، ضمانًا لسلامة التطبيق وتجنبًا لأي ارتدادات فكرية أو اجتماعية، وأن يُبنى القرار على استقصاءٍ علمي يراعي المواءمة بين الحفاظ على الجذور الثقافية، وبين متطلبات التحول الوطني الشامل.
الثاني: أن يدرك الجميع أننا في تعليمنا نسير وفق رؤية سعودية ذات مسارات تطويرية وسياسة تعليمية واضحة، والتخصصات في بلادنا لابد أن تهدف في النهاية إلى بناء العقل الجمعي والحفاظ على الأمن الفكري والأمن الوطني، وبناء مخرجات تدرك التغيرات الدولية والإقليمية. وأننا نتعلم لنطور ونقود الحياة؛ ليسود الوطن، ومسؤولية التعليم في الجامعات وغيرها إخراج كفاءات ذوي مهارات وفهم، وعقول ناضجة واعية
الثالث: إن الجدل القائم حول تخصصات العلوم الإنسانية كـــ (اللغات، واللغة العربية، والتاريخ، والجغرافيا، وعلم الاجتماع) يستوجب منا وقفة تحليلية تتجاوز الإبقاء أو الإلغاء، فالغاية ليست إقصاء العلوم الإنسانية، بل تحريرها من عزلتها الأكاديمية لتكون معرفة حية تُدار في قلب الحياة، لا مجرد نصوصٍ في بطون الكتب. في العالم الحديث لم يعد التخصص لقبًا يُمنح، بل أثرًا يُحدث القيمة الحقيقية للخريج بمقدار ما يستطيع إنجازه وتوظيفه. في اللغة العربية لم يعد كافيًا تخريج دارس يحفظ القواعد النظرية، بل حاجتنا اليوم لصانع خطاب مؤثر، ومهندس محتوى لغوي يمتلك القدرة على تشكيل الوعي الجمعي، وخبير محتوى رقمي يستثمر في تقاطعات اللغة مع التقنية والذكاء الاصطناعي، وفي التاريخ نحن بحاجة إلى باحثين يربطون الماضي بإستراتيجيات المستقبل، وإلى جغرافيين يقرؤون التحولات الجيوسياسية، وإلى علماء اجتماع يصممون الحلول للظواهر المعاصرة، بحيث تقدم هذه التخصصات بوصفها قوة ناعمة قادرة على المنافسة والإنتاج.
والفارق الذي غاب عن الكثير من المنتقدين لا يكمن في جوهر العلم ذاته - فاللغة والتاريخ من العلوم الأصيلة التي لا تتبدل - بل يكمن في إعادة توجيه البوصلة في ظل النهضة الكبرى التي تعيشها بلادنا، لا يصلح أن تكون البرامج الأكاديمية غير ذات جدوى في بناء العقل الناقد. والحاجة اليوم ليست إلى الإلغاء الكلي، ولا إلى الإبقاء بالشكل التقليدي، بل إلى إعادة بناء التخصصات من الداخل عبر برامج بينية قادرة على الحفاظ على الأصل المعرفي، وتوسيع مجاله التطبيقي، وربطه بسوق العمل، وتحويل المعرفة إلى أداة سيادية لخدمة الوطن وقيادة الحياة.
ومن هنا يبرز مشروعي الذي أتبناه من واقع تخصصي «اللسانيات وتحليل الخطاب» وهو أنَّ القضية الجوهرية لا ينبغي أن تُختزل في ثنائية الإبقاء أو الإلغاء، فالمساس بتخصص اللغة العربية هو مساس بكياننا الوجودي ورمز بقائنا الذي لا يقبل التفاوض. إنما تكمن الفكرة الرائدة في إعادة تعريف التخصص؛ ليتحول من مجرد وعاء معرفي مُستهلك إلى مركز لإنتاج المعرفة التطبيقية. إننا بحاجة لتطوير البرامج الأكاديمية لتشمل مسارات حديثة تتقاطع مع احتياجات العصر الحديث كبرامج اللسانيات التطبيقية، وتحليل الخطاب، واللسانيات القانونية، واللسانيات الاجتماعية والإعلام، والأمن، ودور هذا التخصص في بناء السرديات التي تخدم الوطن وتحمي من التطرف، والإرجاف؛ وبهذا تتحول اللغة العربية من مادة تعليمية إلى أداة لفهم المجتمع، وإدارة وعيه، وحماية الأمن الفكري، وإخراج كوادر مؤهلة تساهم في بناء هذا الوطن والحفاظ على مكتسباته.
وبهذا التحول إلى الدراسات البينية والتطبيقية نحافظ على الأصل ونمنحه قدرة أكبر على خدمة المجتمع وتنميته، فالمستقبل ليس لتخصص منعزل، عن سياق الحياة، بل لعقل قادر على الجمع بين الحقول المعرفية. فالتكامل بين اللسانيات والقانون واللسانيات الجنائية - مثلا - يفتح مجالات رحبة مع دوائر سيادية كبيرة، وشراكات أكاديمية لتأهيل الباحثين في ذلك ومساعدة النيابة وذوي الاختصاص بالقانون في تحقيق العدالة، والتداخل بين الاجتماع والإعلام يفسر اتجاهات الرأي العام. فهذه النماذج تؤكد أن التخصصات البينية لم تعد خيارًا، بل ضرورة وطنية ومعرفية.
وما أُسطره هنا لا ينطلق من مجرد رغبة في إبداء الرأي، بل هو نابع من واقع ممارسةٍ تخصصية علمية أكاديمية في اللسانيات وتحليل الخطاب، ومن خلال دراسات أكاديمية تم تقديمها وإسهامات شكلت نقاط تحول في المسارات القانونية، والقضائية، والجنائية، والنفسية، وصولًا إلى الكشف عن السلوك الإجرامي عبر تحليل اللغة. كما أثبتت ورش العمل التي استفادت منها قطاعات مهنية وأكاديمية، وكل هذا منطلقين من التخصص البيني حين يصبح أداة فاعلة في التنمية الشاملة للوطن. فإعادة تعريف اللغة العربية لتصبح مركزًا لإنتاج المعرفة التطبيقية هو المطلب الحقيقي. وليس أدلّ على أهمية التخصصات اللغوية والإنسانية عمومًا من أن الجامعات العالمية الرائدة لم تتجه إلى إلغائها، بل إلى إعادة توظيفها ضمن أُطر بينية تخدم المجتمع والدولة، ومن تلك الجامعات:
1. جامعة هارفارد (Harvard): كلية الآداب والعلوم (Faculty of Arts and Sciences) وهي الأكبر هناك، تدمج تخصصات اللسانيات مع مراكز الدراسات الإقليمية (Regional Studies) والسياسات العامة بشكلٍ وثيق.
2. أكسفورد وكامبريدج (Oxford & Cambridge): هاتان الجامعتان تعتمدان نظام (Joint Honours)، حيث يدرس الطالب تخصصات بينية مثل (Language and Politics) أو (Philosophy and Linguistics)، وهي برامج عريقة جدًا لديهم.
3. معهد ماساتشوستس للتقنية (MIT) وستانفورد (Stanford) فجامعة MIT رغم طابعها التقني، تمتلك أحد أقوى أقسام اللسانيات في العالم (الذي أسسه تشومسكي)، وتربط اللغويات بعلوم الحاسب والذكاء الاصطناعي (AI) وعلوم الإدراك (Cognitive Science).
4. مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية (SOAS): هي نموذج عالمي أبرز في تسخير اللغات لفهم المجتمعات وبناء الإستراتيجيات الدولية. ولا تقف هذه الجامعات عند حدود الحفاظ على التخصص، بل تتجه إلى تعظيم أثره عبر مراكز بحثية وبرامج تطبيقية تُعنى بالهوية والسرديات والرأي العام، ممَّا يؤكد أن العلوم اللغوية والإنسانية تُعدّ ركيزة في بناء الوعي، وفهم المجتمعات، ومن ثمّ، فإن التجربة العالمية لا تشير إلى إلغاء هذه التخصصات، بل إلى إعادة تموضعها ضمن منظومات بينية تجعلها أكثر قدرة على التأثير في الواقع وخدمة الصالح العام.
إذن فالتخصصات البينية – التي يقوم عمادها على التخصص اللغوي في صورته اللسانية الحديثة – لم تعد مجرد تصور نظري، إذ انتقلت باللغة من دائرة الوصف إلى دائرة الفعل، ومن حدود القاعدة إلى آفاق التأثير، فأسهمت في خدمة البحث العلمي بفتح مسارات جديدة تربط المعرفة بحاجات المجتمع، ومن هنا فإن الرهان الحقيقي ليس على بقاء التخصص أو إلغائه، بل في قدرته على التحول إلى قوة معرفية فاعلة تُسهم في بناء الإنسان، وحفظ وعيه، وخدمة وطنه، ومواكبة تحولات عصره.
أولًا القرار الذي صدر عن الجامعة كان الظن به أنه لم يصدر إلا بعد عمل دراسة رصينة تقيس مدى أهمية هذه التخصصات من ناحية، ومتطلبات سوق العمل من ناحية ثانية، وتطوير التخصصات وفق متطلبات رؤية 2030 من ناحية ثالثة. وهنا أقول: كيف يُفسر الرجوع عن القرار بعد انتقاد بعض المعنيين له؟
كان الظنُّ بقرارٍ بهذا الحجم - يصدر عن صرح أكاديمي عريق - أن يكون نتاج دراسات إستراتيجية رصينة، لا تكتفي برصد الأرقام الجافة، بل توازن بين ثلاثة مرتكزات جوهرية:
القيمة الجوهرية للتخصص باعتبار هذه العلوم ركائز للهوية الوطنية والوعي الإنساني، واستحقاقات سوق العمل وفق قراءة ديناميكية لا تحصر الوظيفة في القوالب التقليدية، ومستهدفات رؤية 2030 التي تنادي بتطوير الإنسان والاعتزاز بجذوره الثقافية في آنٍ واحد.
لذا؛ فإنَّ تراجع الجامعة السريع أمام ضغط الرأي العام المختص يطرح تساؤلًا جوهريًا حول آليات صنع القرار الأكاديمي، فكيف يُفسَّر هذا؟ هل هو انكشاف القصور في الدراسة؟ أم هل أغفلت الدراسة الأبعاد النوعية لهذه التخصصات، وركزت على معايير كمية، ممَّا جعلها تعدل أمام أول مواجهة مع الحجج المقابلة التي تثبت حيوية هذه العلوم في بناء القوة الناعمة للدولة. وعلى الجانب الآخر، نجد أن أصوات المنتقدين - رغم وجاهة منطلقاتها - قد ركنت إلى خطابٍ عاطفي يرى في هذه التخصصات محميات فكرية يجب ألا تُمسّ، بحجة أنها تشكل وجدان الأمة وانتماءها، وهو كلامٌ يحمل في ظاهره الوعي، لكنه في جوهره يغفل مكمن الداء، فالأزمة لم تكن يومًا في وجود اللغة العربية أو التاريخ، كعلوم، بل في كيفية تقديمها كنموذج مؤثر في الحياة. إنَّ الإبقاء على هذه الأقسام بصيغتها التقليدية، التي تكتفي بتوريث المعارف؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟. فالتخصص الذي لا يتطور ليكون لغةً للعصر، وأداة للتحليل، ورافدًا للتنمية، يتحول بالضرورة إلى عبءٍ على الدولة والمجتمع، لا يعدو أن يكون ناقلًا لبعض العلوم والمعارف حافظًا لها.
إنَّ خريجًا يتقن قواعد اللغة ولا يتقن أدوات التواصل الحديثة، أو يحفظ تواريخ المعارك ولا يدرك أبعاد الصراعات الجيوسياسية المعاصرة، هو خريج معزول عن وطنه وعصره.
إننا بحاجة الاستجابة لتحولات الواقع بالتطوير والابتكار في البحث العلمي، وتطوير برامج العلوم الإنسانية؛ لنحولها من حواضن للحفظ إلى منصات للتفكير الإستراتيجي؛ بحيث يتخرج الطالب مزودًا بالهوية الوطنية الحقة، ومُسلحًا في الوقت ذاته بمهاراتٍ تجعل منه رقمًا صعبًا في سوق العمل، لا مجرد ناقلٍ لمعارف لا يدرك أثرها في واقعنا، ونحن في المملكة العربية السعودية، لم نعد نملك ترف الإبقاء على مناهج أو تخصصات لا تمنح جدوى واضحة في صياغة هوية المواطن من ناحية وامتلاكه العقل الواعي الناقد من ناحية أخرى، والمرحلة الراهنة تتطلب لغة أكاديمية تتجاوز التقليد إلى التجديد، وتضع بناء الإنسان في قلب العملية التنموية. لقد كان مؤملًا بالجامعة، من واقع مسؤوليتها الوطنية والأكاديمية، أنَّ تجلي مقاصدها من وراء قرار الإلغاء أو الإبقاء ببيانٍ شافٍ وتواصل مؤسسيٍ شفاف، فالاكتفاء بمبررات مختزلة ممارسة تفتح أبواب التأويل، وتربك الرأي العام أكثر ممَّا تقنعه، ومسؤولية الجامعة تكتمل بقدرتها على صياغة حجة الإقناع، وإشراك المجتمع في غايات التطوير، ولستُ هنا معنيًا ببيان الإلغاء أو الإبقاء لكني أُعنَى بإيضاح ثلاثة أمور:
الأول: أرى أنه لا يصح اتخاذ قرار إستراتيجي بمعزل عن استشارة المختصين المخلصين من أبناء الوطن وأصحاب الكفاءات وما أكثرهم. فهم الأقدر على قراءة الميدان واستشراف مآلات التغيير، ودراسة التوازنات الموضوعية من كافة الاتجاهات قبل إعلان أي تحول، ضمانًا لسلامة التطبيق وتجنبًا لأي ارتدادات فكرية أو اجتماعية، وأن يُبنى القرار على استقصاءٍ علمي يراعي المواءمة بين الحفاظ على الجذور الثقافية، وبين متطلبات التحول الوطني الشامل.
الثاني: أن يدرك الجميع أننا في تعليمنا نسير وفق رؤية سعودية ذات مسارات تطويرية وسياسة تعليمية واضحة، والتخصصات في بلادنا لابد أن تهدف في النهاية إلى بناء العقل الجمعي والحفاظ على الأمن الفكري والأمن الوطني، وبناء مخرجات تدرك التغيرات الدولية والإقليمية. وأننا نتعلم لنطور ونقود الحياة؛ ليسود الوطن، ومسؤولية التعليم في الجامعات وغيرها إخراج كفاءات ذوي مهارات وفهم، وعقول ناضجة واعية
الثالث: إن الجدل القائم حول تخصصات العلوم الإنسانية كـــ (اللغات، واللغة العربية، والتاريخ، والجغرافيا، وعلم الاجتماع) يستوجب منا وقفة تحليلية تتجاوز الإبقاء أو الإلغاء، فالغاية ليست إقصاء العلوم الإنسانية، بل تحريرها من عزلتها الأكاديمية لتكون معرفة حية تُدار في قلب الحياة، لا مجرد نصوصٍ في بطون الكتب. في العالم الحديث لم يعد التخصص لقبًا يُمنح، بل أثرًا يُحدث القيمة الحقيقية للخريج بمقدار ما يستطيع إنجازه وتوظيفه. في اللغة العربية لم يعد كافيًا تخريج دارس يحفظ القواعد النظرية، بل حاجتنا اليوم لصانع خطاب مؤثر، ومهندس محتوى لغوي يمتلك القدرة على تشكيل الوعي الجمعي، وخبير محتوى رقمي يستثمر في تقاطعات اللغة مع التقنية والذكاء الاصطناعي، وفي التاريخ نحن بحاجة إلى باحثين يربطون الماضي بإستراتيجيات المستقبل، وإلى جغرافيين يقرؤون التحولات الجيوسياسية، وإلى علماء اجتماع يصممون الحلول للظواهر المعاصرة، بحيث تقدم هذه التخصصات بوصفها قوة ناعمة قادرة على المنافسة والإنتاج.
والفارق الذي غاب عن الكثير من المنتقدين لا يكمن في جوهر العلم ذاته - فاللغة والتاريخ من العلوم الأصيلة التي لا تتبدل - بل يكمن في إعادة توجيه البوصلة في ظل النهضة الكبرى التي تعيشها بلادنا، لا يصلح أن تكون البرامج الأكاديمية غير ذات جدوى في بناء العقل الناقد. والحاجة اليوم ليست إلى الإلغاء الكلي، ولا إلى الإبقاء بالشكل التقليدي، بل إلى إعادة بناء التخصصات من الداخل عبر برامج بينية قادرة على الحفاظ على الأصل المعرفي، وتوسيع مجاله التطبيقي، وربطه بسوق العمل، وتحويل المعرفة إلى أداة سيادية لخدمة الوطن وقيادة الحياة.
ومن هنا يبرز مشروعي الذي أتبناه من واقع تخصصي «اللسانيات وتحليل الخطاب» وهو أنَّ القضية الجوهرية لا ينبغي أن تُختزل في ثنائية الإبقاء أو الإلغاء، فالمساس بتخصص اللغة العربية هو مساس بكياننا الوجودي ورمز بقائنا الذي لا يقبل التفاوض. إنما تكمن الفكرة الرائدة في إعادة تعريف التخصص؛ ليتحول من مجرد وعاء معرفي مُستهلك إلى مركز لإنتاج المعرفة التطبيقية. إننا بحاجة لتطوير البرامج الأكاديمية لتشمل مسارات حديثة تتقاطع مع احتياجات العصر الحديث كبرامج اللسانيات التطبيقية، وتحليل الخطاب، واللسانيات القانونية، واللسانيات الاجتماعية والإعلام، والأمن، ودور هذا التخصص في بناء السرديات التي تخدم الوطن وتحمي من التطرف، والإرجاف؛ وبهذا تتحول اللغة العربية من مادة تعليمية إلى أداة لفهم المجتمع، وإدارة وعيه، وحماية الأمن الفكري، وإخراج كوادر مؤهلة تساهم في بناء هذا الوطن والحفاظ على مكتسباته.
وبهذا التحول إلى الدراسات البينية والتطبيقية نحافظ على الأصل ونمنحه قدرة أكبر على خدمة المجتمع وتنميته، فالمستقبل ليس لتخصص منعزل، عن سياق الحياة، بل لعقل قادر على الجمع بين الحقول المعرفية. فالتكامل بين اللسانيات والقانون واللسانيات الجنائية - مثلا - يفتح مجالات رحبة مع دوائر سيادية كبيرة، وشراكات أكاديمية لتأهيل الباحثين في ذلك ومساعدة النيابة وذوي الاختصاص بالقانون في تحقيق العدالة، والتداخل بين الاجتماع والإعلام يفسر اتجاهات الرأي العام. فهذه النماذج تؤكد أن التخصصات البينية لم تعد خيارًا، بل ضرورة وطنية ومعرفية.
وما أُسطره هنا لا ينطلق من مجرد رغبة في إبداء الرأي، بل هو نابع من واقع ممارسةٍ تخصصية علمية أكاديمية في اللسانيات وتحليل الخطاب، ومن خلال دراسات أكاديمية تم تقديمها وإسهامات شكلت نقاط تحول في المسارات القانونية، والقضائية، والجنائية، والنفسية، وصولًا إلى الكشف عن السلوك الإجرامي عبر تحليل اللغة. كما أثبتت ورش العمل التي استفادت منها قطاعات مهنية وأكاديمية، وكل هذا منطلقين من التخصص البيني حين يصبح أداة فاعلة في التنمية الشاملة للوطن. فإعادة تعريف اللغة العربية لتصبح مركزًا لإنتاج المعرفة التطبيقية هو المطلب الحقيقي. وليس أدلّ على أهمية التخصصات اللغوية والإنسانية عمومًا من أن الجامعات العالمية الرائدة لم تتجه إلى إلغائها، بل إلى إعادة توظيفها ضمن أُطر بينية تخدم المجتمع والدولة، ومن تلك الجامعات:
1. جامعة هارفارد (Harvard): كلية الآداب والعلوم (Faculty of Arts and Sciences) وهي الأكبر هناك، تدمج تخصصات اللسانيات مع مراكز الدراسات الإقليمية (Regional Studies) والسياسات العامة بشكلٍ وثيق.
2. أكسفورد وكامبريدج (Oxford & Cambridge): هاتان الجامعتان تعتمدان نظام (Joint Honours)، حيث يدرس الطالب تخصصات بينية مثل (Language and Politics) أو (Philosophy and Linguistics)، وهي برامج عريقة جدًا لديهم.
3. معهد ماساتشوستس للتقنية (MIT) وستانفورد (Stanford) فجامعة MIT رغم طابعها التقني، تمتلك أحد أقوى أقسام اللسانيات في العالم (الذي أسسه تشومسكي)، وتربط اللغويات بعلوم الحاسب والذكاء الاصطناعي (AI) وعلوم الإدراك (Cognitive Science).
4. مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية (SOAS): هي نموذج عالمي أبرز في تسخير اللغات لفهم المجتمعات وبناء الإستراتيجيات الدولية. ولا تقف هذه الجامعات عند حدود الحفاظ على التخصص، بل تتجه إلى تعظيم أثره عبر مراكز بحثية وبرامج تطبيقية تُعنى بالهوية والسرديات والرأي العام، ممَّا يؤكد أن العلوم اللغوية والإنسانية تُعدّ ركيزة في بناء الوعي، وفهم المجتمعات، ومن ثمّ، فإن التجربة العالمية لا تشير إلى إلغاء هذه التخصصات، بل إلى إعادة تموضعها ضمن منظومات بينية تجعلها أكثر قدرة على التأثير في الواقع وخدمة الصالح العام.
إذن فالتخصصات البينية – التي يقوم عمادها على التخصص اللغوي في صورته اللسانية الحديثة – لم تعد مجرد تصور نظري، إذ انتقلت باللغة من دائرة الوصف إلى دائرة الفعل، ومن حدود القاعدة إلى آفاق التأثير، فأسهمت في خدمة البحث العلمي بفتح مسارات جديدة تربط المعرفة بحاجات المجتمع، ومن هنا فإن الرهان الحقيقي ليس على بقاء التخصص أو إلغائه، بل في قدرته على التحول إلى قوة معرفية فاعلة تُسهم في بناء الإنسان، وحفظ وعيه، وخدمة وطنه، ومواكبة تحولات عصره.