المثالية في أصلها قيمة نبيلة، تدفع الإنسان إلى الإتقان، وتحفزه على السمو بنفسه وأعماله.

لكن حين تتحول إلى هوسٍ بالكمال، تصبح عبئًا ثقيلًا، وتغدو من أخطر أسباب التعاسة لأنها تجعل الإنسان يرفض الواقع، ويطارد صورةً لا وجود لها.

المثالي يرى الأشياء كما ينبغي أن تكون، أما المثالي الزائف فلا يرى الأشياء إلا إذا كانت كاملة، فإن وجد نقصًا هدم كل الجمال من أجله.. فيخسر العلاقات بسبب خطأ، ويترك الفرص لأنها ليست مثالية، ويتردد في اتخاذ القرار خوفًا من الوقوع في الخطأ، حتى يصبح أسيرًا للتردد والقلق!


ومن أخطر آثارها أنها تُفسد العلاقات الإنسانية فيبحث المرء عن صديقٍ بلا عيب، وزوجٍ بلا تقصير، وأبناءٍ بلا أخطاء، ووظيفةٍ بلا متاعب، ومجتمعٍ بلا سلبيات.

وما دام الكمال مفقودًا في البشر، فلن يجد الرضا طريقًا إلى قلبه.

والمثالية الزائفة لا تُرهق صاحبها وحده، بل تُتعب من حوله أيضًا..

فهو كثير العتاب، صعب الرضا، يضخم الهفوات، وينسى الفضائل، فيعيش الناس معه تحت ضغط التوقعات المستحيلة، لا تحت دفء القبول والمحبة.

والحقيقة التي يغفل عنها كثيرون أن الكمال لله وحده، وأن أجمل ما في الإنسان أنه يتعلم من نقصه، وينضج من أخطائه، ويزداد حكمةً بتجاربه.

فمن لا يقبل النقص الطبيعي في الحياة، سيظل يصارع الواقع حتى ينهكه..

ولذلك، فإن النضج ليس في أن تبحث عن حياةٍ كاملة، بل في أن تُحسن العيش مع ما فيها من نقص.

وأن تطلب الإتقان دون أن تعبد الكمال، وأن تُصلح ما تستطيع إصلاحه، وتتجاوز ما لا يستحق أن يسرق سلامك..

وخلاصة القول:

المثالية الحقيقية تدفعك إلى التحسن، أما المثالية الزائفة فتمنعك من الاستمتاع بما لديك..

الأولى تصنع النجاح، والثانية تصنع الشقاء! لأن الحياة لا تُكافئ من ينتظر الكمال، بل من يحسن التعامل مع النقص.