وليد بن خالد الدلبحي
لم يكن «سيزيف» في الأسطورة الإغريقية يدرك أن الصخرة التي قُدّر عليه أن يدحرجها إلى الأبد صوب قمة الجبل، ستحل محلها يوماً ما شاشة مضيئة، وأن لعنته الأبدية لن تعود رهينة الجهد العضلي المنهك، بل ستتحول إلى نقرات خفية على لوحة مفاتيح صامتة. لقد غادر المجرم التقليدي مسرح الجريمة الحسي؛ وغادر ذلك الزقاق المظلم، وتخلى عن خنجره الملوث بالدماء، ونبذ قناع الوجه التقليدي، ليرتدي عباءة أكثر هيبة وغموضاً: عباءة «الخوارزميات».
إن الجريمة المعلوماتية ليست مجرد امتداد تقني للآثام البشرية القديمة، بل هي إعادة تعريف شاملة لماهية «الشر» في العصر الحديث. فإذا كان فيلسوف الجرائم والعقوبات مثل «بيكاريا» قد بحث عن تفسير السلوك الإجرامي في ثنايا الجسد أو في بنية العقد الاجتماعي، فإن فيلسوف الجريمة الرقمية اليوم يجد نفسه أمام كائن هلامي، لا يخضع لجاذبية المكان، ولا يعبأ بحدود الزمان، ويتحرك في فضاء سيبيراني معقد ممتد وموازٍ للواقع المعاش.
هنا يثور التساؤل الفلسفي والقانوني الأعمق: كيف يمكن لمنظومة تشريعية ولدت في أحضان العالم المادي، وتغذت على نصوص تحاكي الواقع الحسي، وتعتمد على أدلة ملموسة، أن تواجه مجرماً لا يترك خلفه بصمة إصبع، بل يترك أثراً مشفراً من الصفر والواحد؟ وكيف للقانون، الذي يتحرك ببطء السلحفاة التنازعية، أن يطارد خوارزميات تتحرك بسرعة الضوء؟
في الجريمة التقليدية، كان هناك نوع من «المواجهة الوجودية» بين الجاني والمجني عليه، فالسارق يواجه ضحيته، والقاتل يشهد اللحظات الأخيرة لطريدته. هذه المواجهة كانت تخلق نوعاً من الرعب المتبادل، وتترك أثراً نفسياً فورياً. أما في عالم الفضاء السيبيراني، فإن الجاني يمارس «القتل الرمزي» أو السلب الاقتصادي وهو يحتسي قهوته في ركن هادئ من قارة أخرى.
إن هذا الانفصال الجغرافي والنفسي يحدث ما يمكن تسميته بـ «الاغتراب الجنائي». فالمجرم هنا لا يرى دماءً تراق، ولا يسمع صراخاً، ولا يشاهد عائلات تنهار بسبب إفلاس مفاجئ نتج عن اختراق مصرفي. هذا الغياب للصدى الحسي للجريمة يقلل من وطأة «الضمير الأخلاقي» لدى الفاعل، ويحول الفعل الإجرامي في نظره إلى مجرد «معادلة رياضية نجح في حلها» أو ثغرة أمنية تمكن من عبورها. هنا يرتدي المجرم عباءة النفعية الصرف، الذي يرى العالم كبنية بيانات قابلة للاستغلال، دون أي اعتبارات قيمية.
يواجه الفكر القانوني معضلة كبرى عند محاولة إسقاط المفاهيم التقليدية على البيئة الرقمية. فالقانون الجنائي، بصرامته المعهودة، يقوم على مبدأ «شرعية الجرائم والعقوبات» فـ(لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص). وهذا المبدأ يقتضي التحديد الدقيق لأركان الجريمة.
ولكن، كيف نكيّف مفهوم «السرقة» مثلاً في الفضاء المعلوماتي؟ السرقة تقليدياً هي «اختلاس مال منقول مملوك للغير بنية تملكه». فالمال المنقول يقتضي حيزاً مادياً. أما عندما يقوم القرصان بنسخ بيانات بطاقة ائتمانية أو استنتاج خوارزمية مشفرة، فإنه لم «يختلس» الشيء بالمعنى المادي، لأن الأصل لا يزال موجوداً لدى صاحبه؛ فهو قام بـ «استنساخ المنفعة» أو «انتهاك السرية» فقط.
هذا التحلل للمادة يحول الجريمة من فعل «استحواذ مادي» إلى فعل «اعتداء معنوي وبنيوي على نظم المعلومات»، وهو ما يفرض على المشرع الجنائي المعاصر التخلي عن التفسير الضيق للنصوص المادية، والانتقال إلى مرونة تشريعية تستوعب الطبيعة الموجية والهلامية للفضاء الرقمي.
وحتى يستقيم البناء القانوني لأي ملاحقة قضائية، لا بد من تفكيك الجريمة المعلوماتية إلى عناصرها التكوينية الثلاثة: الركن الشرعي، الركن المادي، والركن المعنوي، ولكن برؤية تتناسب مع عباءة الخوارزميات.
│ الركن المعنوي │ │ الركن المادي │ │ الركن الشرعي │
│(القصد السيبراني)│ │ (السلوك والتأثير)│ │ (النصوص المتطورة)│
يمثل الركن الشرعي صمام الأمان للحقوق والحريات، إذ يمنع السلطة من التجريم والتحكم بغير نص مسبق. إلا أن «الجريمة الرقمية» تستغل الفجوات الزمنية الفاصلة بين ظهور تقنية جديدة (كالذكاء الاصطناعي التوليدي، وبين صدور قانون ينظمها ويجرم إساءة استخدامها.
إن الأنظمة الحديث مطالبة بصياغة نصوص «مرنة تقنياً، صارمة موضوعياً». بمعنى ألا يربط النص القانوني بوسيلة تقنية محددة بذاتها (مثل ذكر «البريد الإلكتروني» أو «أقراص التخزين» في صياغة مواد القانون)، بل يجب أن يتجه التجريم إلى «الفعل والنتيجة والأثر»، مثل: كل من اعتدى على سلامة البيانات أو النظم أياً كانت الوسيلة التقنية المستخدمة. فهذا التحول التشريعي يضمن للنص القانوني عمراً أطول وقدرة مستمرة على مجابهة الخوارزميات المتطورة بشكل يومي.
ويتخذ الركن المادي في الجرائم المعلوماتية مظاهر غاية في التعقيد:
فالسلوك الإجرامي: لم يعد حركة عضوية تصدر من الجاني (كإطلاق نار أو كسر قفل)، بل هو «أمر» (Code) أو زرع برمجية خبيثة (Malware)، أو توجيه هجوم لحجب الخدمة (DDoS). وهذا السلوك قد يتم إعداده في لحظة زمنية معينة، وتتم برمجته لينطلق تلقائياً بعد أشهر، مما يفصل بين لحظة السلوك ولحظة تحقق النتيجة.
والنتيجة الإجرامية: تتميز بأنها متعدية الحدود وغامضة الحجم. فاختراق نظام مستشفى قد يؤدي إلى شلل تام في غرف العمليات، مما يترتب عليه وفيات غير مباشرة. هنا يثور تساؤل معقد حول «رابطة السببية» بين كتابة سطر برمي خبيث وبين وفاة مريض في غيبوبة بسبب توقف نظام التغذية الكهربائية المرتبط بالشبكة. هل يسأل القرصان عن جريمة سرقة بيانات أم عن قتل خطأ، أم قتل عمد مع سبق الإصرار البرمجي؟
أما الركن المعنوي: وهو القصد الجنائي في عصر الأتمتة والذكاء الاصطناعي فيتطلب القصد الجنائي تقليدياً توافر عنصري (العلم والإرادة). أي أن يكون الجاني عالماً بأن فعله مجرم، وأن تتجه إرادته إلى إحداث النتيجة الإجرامية.
ولكن، ماذا يحدث عندما يرتدي المجرم عباءة خوارزميات؟ عندما يقوم المجرم بتطوير نموذج ذكاء اصطناعي وتغذيته ببيانات معينة، ثم يتركه ليتعلم ذاتياً كيفية اختراق الحسابات أو توليد صور مزيفة لابتزاز الضحايا دون تدخل بشري مباشر في كل عملية.
هنا يتشظى الركن المعنوي؛ فالجاني قد يدعي أنه لم يكن يعلم أن الخوارزمية ستتطور وتختار هذه الضحية بالذات أو ستسلك هذا السلوك الإجرامي العنيف. وهذا التحدي يفرض على الفقه القانوني صياغة مفهوم جديد يسمى «القصد الجنائي الافتراضي المبرمج»، حيث يُسأل المطور أو المستخدم عن كافة المخرجات الإجرامية لخوارزميته ما دام قد وجهها ابتداءً للعمل في بيئة غير مشروعة أو تركها دون كوابح أمنية معيارية.
في المحاكمات الجنائية، الدليل هو سيد الأحكام، وهو الذي يزن العقوبة بميزان اليقين. إلا أن الدليل الرقمي يتميز بصفات تجعل القضاة ووكلاء الادعاء في حيرة من أمرهم:
سرعة التلاشي والتعديل: يمكن لمحو بضعة أسطر من السجلات، أن يخفي معالم الجريمة تماماً في أجزاء من الثانية.
سهولة الاصطناع: مع تقنيات التزييف العميق والتحايل على بروتوكولات الإنترنت، يمكن للمجرم الحقيقي أن يوجه أصابع الاتهام إلى جهاز شخص بريء تماماً، مما يجعل الدليل الرقمي دليلاً «ظنياً» ما لم يحط بضمانات فنية بالغة التعقيد تشهد على سلامته الرقمية.
وهذا الواقع يوجب على الحكومات إبرام اتفاقيات دولية ملزمة وفورية تفوق في مرونتها وسرعتها «اتفاقية بودابست للجريمة السيبيرانية»، بحيث تتيح التبادل اللحظي للأدلة الرقمية وتجاوز الروتين البيروقراطي الدبلوماسي الذي يمنح الخوارزميات الإجرامية فرصة المحو والاختفاء.
لا يمكن بناء إستراتيجية قانونية ناجحة لمواجهة أي جريمة دون فهم سيكولوجية مرتكبها. المجرم المعلوماتي يختلف جذرياً عن المجرم الكلاسيكي:
1- نرجسية التفوق التقني: غالباً ما يكون الجاني ذكياً جداً، يمتلك مهارات برمجية استثنائية، ويدفعه «التحدي النرجسي» لإثبات تفوقه على الأنظمة الأمنية التي صممتها كبريات الشركات أو الدول. الجريمة بالنسبة له هي ساحة لإثبات الذات وتحقيق انتصار عقلي، قبل أن تكون وسيلة للكسب المادي.
2- الشعور بالأمان خلف الحجاب الرقمي: إن وجود شاشة تفصل الجاني عن العالم الخارجي يمنحه شعوراً زائفاً بالحماية المطلقة و«الخلود الجنائي». هذا الشعور يضعف من القوة الردعية للعقوبات التقليدية؛ فالسجن لفترات طويلة قد لا يبدو مخيفاً لشخص يرى أنه أذكى من أن يتم القبض عليه أصلاً.
لذلك، فإن السياسة العقابية الحديثة يجب ألا تقتصر على العقوبات السالبة للحرية (كالسجن)، بل يجب أن تتضمن عقوبات نوعية تسحق هذا الكبرياء التقني، والحرص على قلع «القرصنة الأخلاقية» من جذورها، لإعادة دمجهم في المجتمع كأشخاص أسوياء.
لقد أثبت التاريخ الإنساني أن القانون، وإن بدا بطيئاً في بعض المراحل، فإنه يمتلك قدرة هائلة على التكيف والانتصار في نهاية المطاف. إن المجرم المعاصر، حين قرر ارتداء عباءة الخوارزميات، ظن واهماً أنه استطاع الانعتاق من قيود العدالة وأنه وجد في السديم الرقمي فضاءً يمارس فيه شروره دون رقيب أو حسيب.
إلا أن هذا الوهم يتلاشى يوماً بعد يوم أمام يقظة الفكر القانوني الحديث وتطور الوعي التشريعي. إن المعركة الحالية ليست معركة بين الإنسان والآلة، بل هي معركة بين العقل البشري الملتزم بالقيم والعدالة، وبين العقل البشري المرتد نحو الجريمة والأنانية. الخوارزميات في نهاية المطاف ليست سوى مرآة لمن يكتبها ويوجهها؛ فهي صماء لا تملك إرادة ذاتية مستقلة عن إرادة صانعها.
إن حماية مجتمعاتنا في هذا العصر الرقمي المتسارع تتطلب منا ألا ننظر إلى التكنولوجيا برعب أو استسلام، بل كأداة يجب حوكمتها وإخضاعها لسلطان الحق والعدالة. سيبقى القانون هو الحارس الأمين للوجود الإنساني، وسوف تتطور نصوصه لتصبح أكثر ذكاءً وأسرع حركة، لتنزع عن وجه الإجرام المقنع عباءته الخوارزمية، و تعيده إلى حجمه الطبيعي: مجرد معتدٍ على ضمير الإنسانية، طال الزمن أم قصر، سيمثل أمام ميزان العدالة الراسخ والمقدس.
إن الجريمة المعلوماتية ليست مجرد امتداد تقني للآثام البشرية القديمة، بل هي إعادة تعريف شاملة لماهية «الشر» في العصر الحديث. فإذا كان فيلسوف الجرائم والعقوبات مثل «بيكاريا» قد بحث عن تفسير السلوك الإجرامي في ثنايا الجسد أو في بنية العقد الاجتماعي، فإن فيلسوف الجريمة الرقمية اليوم يجد نفسه أمام كائن هلامي، لا يخضع لجاذبية المكان، ولا يعبأ بحدود الزمان، ويتحرك في فضاء سيبيراني معقد ممتد وموازٍ للواقع المعاش.
هنا يثور التساؤل الفلسفي والقانوني الأعمق: كيف يمكن لمنظومة تشريعية ولدت في أحضان العالم المادي، وتغذت على نصوص تحاكي الواقع الحسي، وتعتمد على أدلة ملموسة، أن تواجه مجرماً لا يترك خلفه بصمة إصبع، بل يترك أثراً مشفراً من الصفر والواحد؟ وكيف للقانون، الذي يتحرك ببطء السلحفاة التنازعية، أن يطارد خوارزميات تتحرك بسرعة الضوء؟
في الجريمة التقليدية، كان هناك نوع من «المواجهة الوجودية» بين الجاني والمجني عليه، فالسارق يواجه ضحيته، والقاتل يشهد اللحظات الأخيرة لطريدته. هذه المواجهة كانت تخلق نوعاً من الرعب المتبادل، وتترك أثراً نفسياً فورياً. أما في عالم الفضاء السيبيراني، فإن الجاني يمارس «القتل الرمزي» أو السلب الاقتصادي وهو يحتسي قهوته في ركن هادئ من قارة أخرى.
إن هذا الانفصال الجغرافي والنفسي يحدث ما يمكن تسميته بـ «الاغتراب الجنائي». فالمجرم هنا لا يرى دماءً تراق، ولا يسمع صراخاً، ولا يشاهد عائلات تنهار بسبب إفلاس مفاجئ نتج عن اختراق مصرفي. هذا الغياب للصدى الحسي للجريمة يقلل من وطأة «الضمير الأخلاقي» لدى الفاعل، ويحول الفعل الإجرامي في نظره إلى مجرد «معادلة رياضية نجح في حلها» أو ثغرة أمنية تمكن من عبورها. هنا يرتدي المجرم عباءة النفعية الصرف، الذي يرى العالم كبنية بيانات قابلة للاستغلال، دون أي اعتبارات قيمية.
يواجه الفكر القانوني معضلة كبرى عند محاولة إسقاط المفاهيم التقليدية على البيئة الرقمية. فالقانون الجنائي، بصرامته المعهودة، يقوم على مبدأ «شرعية الجرائم والعقوبات» فـ(لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص). وهذا المبدأ يقتضي التحديد الدقيق لأركان الجريمة.
ولكن، كيف نكيّف مفهوم «السرقة» مثلاً في الفضاء المعلوماتي؟ السرقة تقليدياً هي «اختلاس مال منقول مملوك للغير بنية تملكه». فالمال المنقول يقتضي حيزاً مادياً. أما عندما يقوم القرصان بنسخ بيانات بطاقة ائتمانية أو استنتاج خوارزمية مشفرة، فإنه لم «يختلس» الشيء بالمعنى المادي، لأن الأصل لا يزال موجوداً لدى صاحبه؛ فهو قام بـ «استنساخ المنفعة» أو «انتهاك السرية» فقط.
هذا التحلل للمادة يحول الجريمة من فعل «استحواذ مادي» إلى فعل «اعتداء معنوي وبنيوي على نظم المعلومات»، وهو ما يفرض على المشرع الجنائي المعاصر التخلي عن التفسير الضيق للنصوص المادية، والانتقال إلى مرونة تشريعية تستوعب الطبيعة الموجية والهلامية للفضاء الرقمي.
وحتى يستقيم البناء القانوني لأي ملاحقة قضائية، لا بد من تفكيك الجريمة المعلوماتية إلى عناصرها التكوينية الثلاثة: الركن الشرعي، الركن المادي، والركن المعنوي، ولكن برؤية تتناسب مع عباءة الخوارزميات.
│ الركن المعنوي │ │ الركن المادي │ │ الركن الشرعي │
│(القصد السيبراني)│ │ (السلوك والتأثير)│ │ (النصوص المتطورة)│
يمثل الركن الشرعي صمام الأمان للحقوق والحريات، إذ يمنع السلطة من التجريم والتحكم بغير نص مسبق. إلا أن «الجريمة الرقمية» تستغل الفجوات الزمنية الفاصلة بين ظهور تقنية جديدة (كالذكاء الاصطناعي التوليدي، وبين صدور قانون ينظمها ويجرم إساءة استخدامها.
إن الأنظمة الحديث مطالبة بصياغة نصوص «مرنة تقنياً، صارمة موضوعياً». بمعنى ألا يربط النص القانوني بوسيلة تقنية محددة بذاتها (مثل ذكر «البريد الإلكتروني» أو «أقراص التخزين» في صياغة مواد القانون)، بل يجب أن يتجه التجريم إلى «الفعل والنتيجة والأثر»، مثل: كل من اعتدى على سلامة البيانات أو النظم أياً كانت الوسيلة التقنية المستخدمة. فهذا التحول التشريعي يضمن للنص القانوني عمراً أطول وقدرة مستمرة على مجابهة الخوارزميات المتطورة بشكل يومي.
ويتخذ الركن المادي في الجرائم المعلوماتية مظاهر غاية في التعقيد:
فالسلوك الإجرامي: لم يعد حركة عضوية تصدر من الجاني (كإطلاق نار أو كسر قفل)، بل هو «أمر» (Code) أو زرع برمجية خبيثة (Malware)، أو توجيه هجوم لحجب الخدمة (DDoS). وهذا السلوك قد يتم إعداده في لحظة زمنية معينة، وتتم برمجته لينطلق تلقائياً بعد أشهر، مما يفصل بين لحظة السلوك ولحظة تحقق النتيجة.
والنتيجة الإجرامية: تتميز بأنها متعدية الحدود وغامضة الحجم. فاختراق نظام مستشفى قد يؤدي إلى شلل تام في غرف العمليات، مما يترتب عليه وفيات غير مباشرة. هنا يثور تساؤل معقد حول «رابطة السببية» بين كتابة سطر برمي خبيث وبين وفاة مريض في غيبوبة بسبب توقف نظام التغذية الكهربائية المرتبط بالشبكة. هل يسأل القرصان عن جريمة سرقة بيانات أم عن قتل خطأ، أم قتل عمد مع سبق الإصرار البرمجي؟
أما الركن المعنوي: وهو القصد الجنائي في عصر الأتمتة والذكاء الاصطناعي فيتطلب القصد الجنائي تقليدياً توافر عنصري (العلم والإرادة). أي أن يكون الجاني عالماً بأن فعله مجرم، وأن تتجه إرادته إلى إحداث النتيجة الإجرامية.
ولكن، ماذا يحدث عندما يرتدي المجرم عباءة خوارزميات؟ عندما يقوم المجرم بتطوير نموذج ذكاء اصطناعي وتغذيته ببيانات معينة، ثم يتركه ليتعلم ذاتياً كيفية اختراق الحسابات أو توليد صور مزيفة لابتزاز الضحايا دون تدخل بشري مباشر في كل عملية.
هنا يتشظى الركن المعنوي؛ فالجاني قد يدعي أنه لم يكن يعلم أن الخوارزمية ستتطور وتختار هذه الضحية بالذات أو ستسلك هذا السلوك الإجرامي العنيف. وهذا التحدي يفرض على الفقه القانوني صياغة مفهوم جديد يسمى «القصد الجنائي الافتراضي المبرمج»، حيث يُسأل المطور أو المستخدم عن كافة المخرجات الإجرامية لخوارزميته ما دام قد وجهها ابتداءً للعمل في بيئة غير مشروعة أو تركها دون كوابح أمنية معيارية.
في المحاكمات الجنائية، الدليل هو سيد الأحكام، وهو الذي يزن العقوبة بميزان اليقين. إلا أن الدليل الرقمي يتميز بصفات تجعل القضاة ووكلاء الادعاء في حيرة من أمرهم:
سرعة التلاشي والتعديل: يمكن لمحو بضعة أسطر من السجلات، أن يخفي معالم الجريمة تماماً في أجزاء من الثانية.
سهولة الاصطناع: مع تقنيات التزييف العميق والتحايل على بروتوكولات الإنترنت، يمكن للمجرم الحقيقي أن يوجه أصابع الاتهام إلى جهاز شخص بريء تماماً، مما يجعل الدليل الرقمي دليلاً «ظنياً» ما لم يحط بضمانات فنية بالغة التعقيد تشهد على سلامته الرقمية.
وهذا الواقع يوجب على الحكومات إبرام اتفاقيات دولية ملزمة وفورية تفوق في مرونتها وسرعتها «اتفاقية بودابست للجريمة السيبيرانية»، بحيث تتيح التبادل اللحظي للأدلة الرقمية وتجاوز الروتين البيروقراطي الدبلوماسي الذي يمنح الخوارزميات الإجرامية فرصة المحو والاختفاء.
لا يمكن بناء إستراتيجية قانونية ناجحة لمواجهة أي جريمة دون فهم سيكولوجية مرتكبها. المجرم المعلوماتي يختلف جذرياً عن المجرم الكلاسيكي:
1- نرجسية التفوق التقني: غالباً ما يكون الجاني ذكياً جداً، يمتلك مهارات برمجية استثنائية، ويدفعه «التحدي النرجسي» لإثبات تفوقه على الأنظمة الأمنية التي صممتها كبريات الشركات أو الدول. الجريمة بالنسبة له هي ساحة لإثبات الذات وتحقيق انتصار عقلي، قبل أن تكون وسيلة للكسب المادي.
2- الشعور بالأمان خلف الحجاب الرقمي: إن وجود شاشة تفصل الجاني عن العالم الخارجي يمنحه شعوراً زائفاً بالحماية المطلقة و«الخلود الجنائي». هذا الشعور يضعف من القوة الردعية للعقوبات التقليدية؛ فالسجن لفترات طويلة قد لا يبدو مخيفاً لشخص يرى أنه أذكى من أن يتم القبض عليه أصلاً.
لذلك، فإن السياسة العقابية الحديثة يجب ألا تقتصر على العقوبات السالبة للحرية (كالسجن)، بل يجب أن تتضمن عقوبات نوعية تسحق هذا الكبرياء التقني، والحرص على قلع «القرصنة الأخلاقية» من جذورها، لإعادة دمجهم في المجتمع كأشخاص أسوياء.
لقد أثبت التاريخ الإنساني أن القانون، وإن بدا بطيئاً في بعض المراحل، فإنه يمتلك قدرة هائلة على التكيف والانتصار في نهاية المطاف. إن المجرم المعاصر، حين قرر ارتداء عباءة الخوارزميات، ظن واهماً أنه استطاع الانعتاق من قيود العدالة وأنه وجد في السديم الرقمي فضاءً يمارس فيه شروره دون رقيب أو حسيب.
إلا أن هذا الوهم يتلاشى يوماً بعد يوم أمام يقظة الفكر القانوني الحديث وتطور الوعي التشريعي. إن المعركة الحالية ليست معركة بين الإنسان والآلة، بل هي معركة بين العقل البشري الملتزم بالقيم والعدالة، وبين العقل البشري المرتد نحو الجريمة والأنانية. الخوارزميات في نهاية المطاف ليست سوى مرآة لمن يكتبها ويوجهها؛ فهي صماء لا تملك إرادة ذاتية مستقلة عن إرادة صانعها.
إن حماية مجتمعاتنا في هذا العصر الرقمي المتسارع تتطلب منا ألا ننظر إلى التكنولوجيا برعب أو استسلام، بل كأداة يجب حوكمتها وإخضاعها لسلطان الحق والعدالة. سيبقى القانون هو الحارس الأمين للوجود الإنساني، وسوف تتطور نصوصه لتصبح أكثر ذكاءً وأسرع حركة، لتنزع عن وجه الإجرام المقنع عباءته الخوارزمية، و تعيده إلى حجمه الطبيعي: مجرد معتدٍ على ضمير الإنسانية، طال الزمن أم قصر، سيمثل أمام ميزان العدالة الراسخ والمقدس.