سعيد آل فردان

سعيد آل فردان

هناك قاعدة ذهبية راسخة تُجمع عليها كبرى أدبيات الحوكمة عالمياً، مفادها أن سلوك المنظومة المؤسسية وانضباطها ما هو إلا مرآة حقيقية لسلوك قادتها. هذا المفهوم يُعرف في الأوساط المهنية بـ«النبرة من الأعلى»، ويشير إلى أن تبنّي القيادة العليا لقيم النزاهة والشفافية هو المحرك الأساسي لخلق بيئة عمل ممتثلة. هذا المفهوم الذي طالما شددت عليه الأدبيات العالمية، برزت التجربة السعودية المعاصرة كنموذج رائد في منحه تطبيقاً عملياً صارماً، لتصبح مرجعاً استرشادياً ومحط دراسة لدى الأوساط المهنية والمؤسسية دولياً. ولعل التجلي الأبرز والأكثر عمقاً لهذا المفهوم، يكمن في كلمة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، حينما قال واصفاً آلية العمل الانضباطية بوضوح تام: «حوكمة صندوق الاستثمارات العامة واضحة أمام الجميع، أنا رئيس صندوق الاستثمارات العامة، ولكن القرار ليس لدي وإنما لدى المجلس وفق الآلية والحوكمة التي تطلق وتعلن للجميع، لا أستطيع اتخاذ قرار إلا وفق هذه الحوكمة».

إن هذا التصريح لا يمثل مجرد شرح لآلية عمل داخلية خاصة بجهة بعينها، بل يُطرح هنا كنموذج ومثال حي يُقاس عليه الأداء المؤسسي العام؛ إذ يوجه رسالة واضحة بأن كافة أطراف المنظومة المؤسسية في الدولة مدعوة للسير على هذا النسق الانضباطي ذاته. فهذا التوجيه يجسد الالتزام في أعلى مستوياته التنظيمية، حيث أعلن سموه صراحة عن خضوع «القمة» للأنظمة، وربط القرار الاستراتيجي بالامتثال الطوعي والصارم للوائح؛ وهو ما يقدم درساً بليغاً في كيفية مأسسة الاستدامة وحماية الأصول الاقتصادية. وعندما يُعلن الرجل الأول في المنظمة وجهة سيادية بهذا الحجم أنه لا يمكنه التفرد بالقرار، فإن هذا الارتباط الوثيق بين المقولة ومفهوم الالتزام يؤسس لثقافة غياب الاستثناءات الشخصية التي غالباً ما تُصنع للقيادات العليا في الفكر الإداري التقليدي. إن عبارة سموه قطعت الطريق تماماً أمام هذا التوجه؛ فإذا كان رأس الهرم يمتثل للأنظمة ويخضع لها، يسقط تلقائياً عذر التجاوز أو التهاون لدى أي مسؤول في جميع المستويات الإدارية والتنفيذية، ليصبح الامتثال عقيدة تشغيلية حتمية تسري على كافة أركان المنظمة دون استثناء.

هذا الالتزام الصارم في أصل صياغة القرار يمنح الإدارات الرقابية القوة والصلاحية الكاملة لأداء أدوارها بحصانة مطلقة؛ فما دام رأس الهرم ممتثلاً للحوكمة، فإن سلطة التدقيق تصبح نافذة على الجميع بلا محاباة، مما يحول الالتزام من مجرد رد فعل لتصحيح الأخطاء، إلى درع استباقية ومعيار رقابي يحمي أصول المنظمة ويجنبها المخاطر قبل حدوثها. ويمتد هذا الأثر التنظيمي ليتكامل مع الشق الثاني والمحوري من مقولة سمو ولي العهد والذي ركّز على أن الحوكمة «تطلق وتعلن للجميع». ففي سياق إدارة الأداء المعاصر والشراكات الاستراتيجية، تعتبر الشفافية والإفصاح والالتزام بالمعايير المشتركة هي الركيزة الحقيقية وبوابة كسب الثقة والاعتراف الدولي. إن إعلان آليات اتخاذ القرار ووضوح السياسات يرفع بشكل مباشر من كفاءة وقيمة المنظمة، ويؤكد للمؤسسات الدولية والشركاء العالميين أن الكيانات الوطنية تُدار وفقاً لأعلى معايير الحوكمة الدولية المعتمدة، وهو التزام معلن يمنح خطط التنمية استقراراً مستداماً وبعيد المدى.

وتكمن الأهمية القصوى لمفهوم«النبرة من الأعلى» في نهاية المطاف، في أنه يحول الحوكمة والالتزام من مجرد وثائق مكدسة على الرفوف، إلى سلوك يومي وعقيدة عمل ثابتة داخل المنظمة. وعندما تقترن «النبرة من الأعلى» بـ«الالتزام التنفيذي» تتحول الحوكمة من أداة رقابية بيروقراطية إلى مُمكّن استراتيجي وصمام أمان للمنظمة، ويضمن استمرارية واستدامة أعمالها.