أحمد حسن الخضير

تظل المنظومة الشعرية العربية، عبر تاريخها الطويل، أداة صياغة مركزية للوعي الجمعي، والوجدان الفكري للمجتمعات. وفي حقب النهضة والتحرر الوطني، تحول الشعر إلى وقود يحرك الجماهير ويوجه البوصلة العامة. ومن أكثر الأبيات الشعرية التي جرت مجرى الأمثال السيّارة، واستقرت في عقول الأجيال الحديثة بوصفها حكمة مطلقة لا تقبل الجدل، قول أمير الشعراء أحمد شوقي في قصيدته التي وجهها لطلبة المدارس:

قف دون رأيك في الحياة مجاهداً... إن الحياة عقيدة وجهاد

البيت، بتركيبته الجزلى فيه قوة دفع حماسية هائلة تدغدغ العواطف وتستنهض الهمم. غير أننا حين ننحي الأثر البلاغي والهارموني الموسيقي جانباً، ونخضع النص للمشرط النقدي، نكتشف أننا أمام إشكالية معرفية وأخلاقية عميقة، أحدثت خللاً جسيماً في تراتبية القيم، حيث انتصرت فيه بلاغة الحماسة والتحريض على دقة الحكمة والتبصر.

تكمن الثغرة الأولى والقاتلة في خلط الشاعر المربك بين «المتغير» و«الثابت». ففي طبائع الأمور ومناهج الفلسفة المعرفية، ينقسم الوعي الإنساني إلى دوائر تراتبية واضحة المعالم. الأولى هي «المطلق واليقين»، وهي الدائرة التي تشمل الدين، والعقيدة، والمبادئ الأخلاقية الكونية كالعدل والحرية والكرامة، بالإضافة إلى ثوابت الأوطان، التي تمثل الهوية الإنسانية الأصيلة، والذود عنها بالمهج والأرواح هو ذود عن الوجود الأخلاقي نفسه، وهو المرتبة التي يستحق صاحبها شرف الجهاد والتضحية.

أما الثانية، فهي «دائرة النسبي والظني»، وتتمثل حصراً في «الرأي»، والشرح، والاجتهاد البشري. الرأي بطبيعته كائن متحول، وليد لحظة زمنية معينة، وظرف معرفي محدد، وزاوية رؤية قابلة للتغير والتطور وإعادة النظر مع نمو الوعي، وتدفق المعلومات، واكتساب الخبرات الحياتية. وحين يأتي أمير الشعراء ليأمر الإنسان بـ«المجاهدة» والتخندق والموت دون «رأيه»، فإنه يرفع النسبي المتغير إلى مرتبة المطلق الثابت بشكل قسري. إنه يضفي قداسة عقائدية على «وجهة نظر» بشرية تحتمل الخطأ أكثر مما تحتمل الصواب، وهو انزلاق معرفي يحول الفكرة المرنة القابلة للنقاش إلى صنم فكري جامد يُعبد من دون الحق.

من هنا، يتضح لنا حجم الخلل في الصياغة؛ إذ لو أن شوقي قال: «قف دون دينك» أو «قف دون حقِّك» أو حتى «قف دون أرضك»، لاستقامت الحكمة ولأصبح البيت ميزاناً أخلاقياً مستقراً؛ فالإنسان يُحمد ويُبجل إذا ما بذل روحه دفاعاً عن دينه الراسخ أو حقه المغتصب أو وطنه السليب. أما أن يفني حياته ويخوض المعارك والمجاهدة دفاعاً عن «رأيه» الشخصي، فهذا تزكية واضحة لـ«العناد الفكري»، وتشريع صريح للانغلاق والتعصب؛ إذ إن المرء قد يتبنى في مرحلة ما رأياً هادماً، أو فكراً متطرفاً، أو تصوراً قاصراً عن الحياة والعالم، فهل يجوز في منطق العقل والرشاقة الفكرية أن يُطالب بالثبات والموت دونه لمجرد أنه رأيه؟

يمتد الخلل الموضوعي في النص ليشمل عجز الشطر الثاني الذي يصرح فيه شوقي بحصر قاطع: «إن الحياة عقيدة وجهاد». هذا التوصيف الذي جاء بأسلوب توكيد وقصر، يختزل الوجود الإنساني الرحب والفسيح، ويحشره في زاوية ضيقة لا تعدو أن تكون ساحة معركة فكرية أو حربية مستمرة لا تهدأ. الفلسفة الإنسانية السوية والواقع المعيش يثبتان أن الحياة تتسع لأبعاد شاسعة أخرى لا تقل قيمة ولا سمواً عن المواجهة والجهاد.

فالحياة هي أيضاً تطلع مستمر نحو الجمال، وبحث دؤوب عن المعرفة والعلم، وممارسة حية لقيم المحبة والتسامح، وسعي دائم نحو بناء المشترك الإنساني وإقرار السلام والتعايش. وتحويل الحياة برمتها إلى مجرد «عقيدة وجهاد» يجسد مناخاً حماسياً تعبوياً فرضته ظروف الاستعمار والحراك السياسي في العصر الذي عاشه شوقي، لكنه يقصر بالتأكيد عن تقديم رؤية فلسفية متزنة، وصالحة كدستور للحياة في كل العصور والظروف.

ونحن نعيش عصر الانفتاح المعرفي وحوار الحضارات، أحوج ما نكون إلى تفكيك هذه الموروثات الشعرية التي صاغت عقولنا لعقود طويلة. يجب أن نمتلك الجرأة النقدية لفرز الغث من السمين في تراثنا الأدبي، والتمييز الدقيق بين جمالية اللفظ والوزن، وبين سلامة الفكرة والمضمون.

مراجعة بيت شوقي بعين واعية تبين لنا أن الحكمة الحقيقية تقتضي من الإنسان أن يكون مرناً في آرائه، مستعداً لمراجعتها وتصحيحها كلما تبين له وجه الحق، مع بقائه راسخاً كالجبال في دفاعه عن دينه ومبادئه الكبرى؛ فالعاقل هو من يتنازل عن رأيه الخاطئ انتصاراً للحق، بينما المتعصب هو من يموت دون رأيه ليثبت -عناداً- أنه لم يخطئ.