محمد آل شملان

في زمن المتغيرات المتسارعة، تبقى بعض الشيم الإنسانية ثابتة كالجبال، تتوارثها النفوس العظيمة وتسقى بماء المروءة والإخلاص. وفي مقدمة هذه الشيم يتجلى "الوفاء" كعلامة فارقة تميز سيرة الأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز، مستشار خادم الحرمين الشريفين، هذا الأمير الإنسان الذي عرف بين كل من زامله ورافقه عبر مسيرته الطويلة بقلبه النقي، وجبره للخواطر، وحرصه المتناهي على ألا تنقطع حبال المودة مع كل من جمعته بهم الأيام في خدمة هذا الوطن الغالي.

يتجسد هذا الوفاء بأبهى صوره في العلاقة الوثيقة والتاريخية التي جمعته بالراحل المستشار والدبلوماسي البارز حسان بن يوسف ياسين يرحمه الله.

فقد عرفه منذ سنوات طويلة، وعايش فيه روح الوطنية الصادقة، كان الراحل مستشارًا مخلصًا، عرف بملازمته الطويلة لمهندس الدبلوماسية السعودية الراحل العظيم الأمير سعود الفيصل يرحمه الله.

ومنذ تلك العقود الممتدة، نمت بين الأمير سلطان بن سلمان والفقيد حسان ياسين علاقة فريدة وعميقة، بنيت على التقدير المتبادل، وصدق المشاعر، ووحدة الهدف في خدمة القيادة والوطن.

لقد وجد الأمير سلطان بن سلمان في المستشار حسان ياسين ـ كما وجده كل من عرفه من منصفين ـ رجلًا مخلصًا لوطنه، صادقًا في رأيه، ونقيًا في سريرته، ووفيًا مع كل من تقاطعت به سبل الحياة معه. لم تكن الأيام تزيد هذه العلاقة إلا رسوخًا؛ فكان سمو الأمير يخصه بزيارات دائمة ومتواصلة في منزله، كما كان الراحل يبادله هذه اللقاءات الودية المفعمة بذكريات المجد والتاريخ.

وشاء القدر أن يكتب فصل استثنائي في كتاب هذا الوفاء المتبادل قبل نحو شهر من رحيل الفقيد. ففي حفل تدشين كتاب "سعود الفيصل" بالرياض، الذي نظمته مؤسسة التراث غير الربحية بالتعاون مع مؤسسة الملك فيصل الخيرية في قصر الملك فيصل، تجلت أسمى قيم العطاء الإنساني.

ورغم الظروف الصحية الصعبة والقاسية التي كان يمر بها المستشار حسان بن يوسف ياسين، إلا أن جسده الواهن لم يقعد همته العالية؛ فحمل روحه الشغوفة وحرص على حضور الحفل إجلالًا لذكرى رفيق دربه الأمير سعود الفيصل، وتقديرًا لأخيه الأمير سلطان بن سلمان. ولم يقتصر حضور الراحل على الوجود الجسدي فحسب، بل كان عمادًا من أعمدة نجاح هذا الإصدار التاريخي، حيث حرص قبل الحفل ـ بكل سخاء ومحبة ـ على دعم مشروع الكتاب بصور نادرة ومميزة من أرشيفه الخاص، تخلد محطات مفصلية من مسيرة الدبلوماسية السعودية. وكان ذلك اللقاء المهيب هو الوداع الأخير؛ لقاء فاضت فيه مشاعر التقدير، وكان شاهدًا حيًا على أن الأوفياء لا تمنعهم أسقام الجسد عن الوفاء بالعهود والمواثيق.

رحيل المستشار حسان بن يوسف ياسين يمثل خسارة لقامة وطنية مخلصة، لكن ذكراه ستبقى عاطرة في وجدان الوطن، وفي قلب الأمير الوفي سلطان بن سلمان الذي لا ينسى أحبابه.

نرفع الأكف تضرعًا إلى المولى عز وجل، أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته ومغفرته، وأن يسكنه فسيح جناته في النعيم المقيم مع النبيين والصديقين والصالحين وحسن أولئك رفيقًا. كما نتقدم بخالص العزاء والمواساة العميقة لأسرة الفقيد الكريمة، ولكافة محبيه وزملائه، سائلين الله تبارك وتعالى أن يلهمهم الصبر والسلوان، وأن يجبر مصابهم، وإنا لله وإنا إليه راجعون.