ياسين عزي

لم أكن أنوي الكتابة الليلة. كنت أجلس اليوم برفقة أبنائي في منزلنا، نتناول الطعام ونتسلى بالحديث، وفجأة اقترب مني ابني محمد، وفي عينيه دهشة من عثر على خبر لا يريد أن يصدقه وحده، وقال: «أبي، قرأت أن منتخبنا السعودي هو الأقصر قامة بين منتخبات كأس العالم».

ابتسمت أول الأمر، لا استخفافًا بالخبر، بل لأنني تعلمت طويلًا ألا أمنح الأرقام ثقتي قبل أن أختبرها. عدت إلى المصادر، وراجعت ما تيسر من الإحصاءات، فإذا بمعلومة لافتة تشير إلى أن المنتخب السعودي يأتي ضمن المنتخبات الأقل طولًا بين ثمانية وأربعين منتخبًا، بمتوسط يقترب من مئة وثمانية وسبعين سنتيمترًا.

أغلقت جهازي، لكن سؤالًا عميقًا أضاء داخلي: منذ متى كانت الأمم تُقاس بطول قامتها؟ ومتى صار طول الجسد معيارًا لعلو الهمة؟

نحن، كبشر، نُفتن أحيانًا بالمقاييس الظاهرة. نربط القوة بالحجم، والهيبة بالطول، والانتصار بما تراه العين. غير أن التاريخ، في أكثر لحظاته إنصافًا، يقول لنا غير ذلك؛ فالعظمة لا تسكن الأجساد الكبيرة بالضرورة، ولا تولد البطولات من عامل الطول وحده، بل مما تصنعه الروح حين تؤمن، وتقاتل، وتنهض.

الأرجنتين، بطلة العالم في قطر 2022، لم تكن من عمالقة القامات. وأيقونتها الكبرى، ليونيل ميسي، لم يحتج إلى طول فارع كي يعيد تعريف العبقرية الكروية في هذا العصر. كان قصير الجسد، لكنه طويل الأثر؛ محدود السنتيمترات، لكنه بلا حدود حين تلامس الكرة قدميه.

وهنا تكمن المفارقة: أن بعض القامات لا تعتلي القمم بطولها، بل بعظمة الأثر الذي تسطره الذاكرة ويخلده التاريخ.

ومن ينسى ذلك اليوم السعودي الخالد في نوفمبر 2022، حين وقف الأخضر أمام الأرجنتين في كأس العالم 2022، وكانت التوقعات كلها تميل إلى الجهة الأخرى؟ يومها لم تكن الحسابات تمنحنا مساحة واسعة للحلم، لكن الملعب لا يعترف إلا بلغة الأهداف. فازت السعودية بهدفين لهدف، ولم يكن ذلك انتصار فريق على فريق فحسب، بل كان درسًا للعالم كله: أن الروح إذا حضرت، ارتبكت الأرقام.

في ذلك اليوم، لم يسأل أحد عن متوسط الطول، ولم يبحث أحد عن الفارق الجسدي بين اللاعبين. كان السؤال الوحيد: كيف حدث هذا؟ وكان الجواب مختصرًا كما هي الحقيقة حين تتجلى: حدث لأن الإرادة كانت أطول من القامة، ولأن الهمة كانت أوسع من حدود التوقع.

وللغة هنا شأن لا ينبغي أن يُغفل. فكلمة «القامة» في العربية ليست وصفًا للجسد وحده. نحن نقول: «فلان قامة وطنية»، ولا نقصد طوله، بل منزلته. ونقول: «قامة علمية» أو «قامة إنسانية»، ولا نعني السنتيمترات، بل الأثر والهيبة والمعنى. القامة، في وجدان العربية، مقام قبل أن تكون طولًا، وقيمة قبل أن تكون هيئة.

لذلك، فإن القول إن منتخبنا من بين الأقصر قامة لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه نقيصة، بل بوصفه مدخلًا لسؤال أعمق: أي قامة أعلى من قامة لاعب يحمل وطنًا كاملًا على كتفيه، ويدخل الميدان ممثلًا لأمة تصنع مستقبلها بثقة؟

فالمنتخب السعودي لا يلعب وحده. خلفه وطنٌ يتحرك، تقوده قيادةٌ صنعت من الطموح منهجًا، ومن تجاوز المستحيل ثقافة عصرٍ جديد. خلفه رؤية جعلت الرياضة جزءًا من مشروع حضاري واسع، لا مجرد نشاط عابر. خلفه مجتمع يعيد اكتشاف جسده وحيويته وثقته بنفسه. خلفه ثقافة تشربت عشق كرة القدم عبر الأجيال، وأبطال يصعدون المنصات، ومدن تستقبل العالم، وبنية وطنية ترى في الرياضة لغة للصحة والشمولية والانتماء.

اليوم لم تعد الرياضة في المملكة هامشًا في الحياة العامة، بل أصبحت جزءًا من معنى التحول. آلاف الفتيات يشاركن في منافسات كرة القدم المدرسية، ومئات الآلاف من الرياضيات المسجلات يكتبن فصلًا جديدًا من الحضور السعودي، والبطولات العالمية تتوافد إلى المملكة، من سباقات السرعة إلى كرة القدم، ومن التنس إلى الرياضات الإلكترونية، وصولًا إلى الموعد الأكبر: كأس العالم 2034.

وهنا يتجاوز الحدث معناه الرياضي المباشر. فاستضافة كأس العالم ليست مجرد تنظيم بطولة، بل لحظة حضارية كبرى تقول للعالم إن المملكة لا تكتفي بمشاهدة التاريخ، بل تشارك في صناعته. إنها لحظة يلتقي فيها الملعب بالهوية، والرياضة بالثقافة، والجمهور بالضيافة، والحلم الوطني بالصورة العالمية.

من هنا أفهم الصقور الخضر لا بوصفهم أحد عشر لاعبًا يركضون خلف كرة، بل بوصفهم امتدادًا لمعنى أبلغ وأوسع. إنهم أبناء وطن قرر أن ينهض، وأن يفتح للرياضة مكانها في قلب التنمية، وأن يجعل من الشغف قوة، ومن المنافسة قيمة، ومن الطموح عادة يومية.

لذلك لا داعي أبدًا أن نبدأ بخطاب الهزيمة قبل أن تبدأ المباراة. لا ينبغي أن نعدّد المخاوف، ونستدعي الخسائر، ونمنح الخصوم ما لا ينبغي أن نمنحه لهم من رهبة. أما الفريق، فأقل ما يستحقه منا أن نقف خلفه بلغة تليق به: لغة الثقة لا الوهم، والفخر لا المبالغة، والإيمان لا الادعاء.

فالخطاب يصنع جزءًا من الواقع قبل أن يصفه. والكلمة التي نقولها عن منتخبنا ليست تعليقًا عابرًا يمضي بلا أثر؛ إنها طاقة معنوية، ورسالة نفسية، وامتداد لذلك الإيمان الجمعي الذي كثيرًا ما يصنع ما تعجز عنه الحسابات.

نعم، قد تقول الأرقام إننا من بين الأقصر قامة. لكن الأرقام نفسها، حين تُقرأ بوعي، تقول إن المجد لم يكن يومًا وقفًا على الأطول. فقد فازت منتخبات بالمهارة قبل الطول، وبالذكاء قبل البنية، وبالجماعة قبل الفرد. وكم من لاعب قصير غيّر تاريخ اللعبة، وكم من فريق لم يكن مرشحًا ثم صار حكاية تُروى.

وحين يدخل الصقور الخضر ملاعب العالم، فإنهم لا يحملون أجسادهم وحدها. يحملون وطنًا، وذاكرة، ورؤية، وجمهورًا، وأطفالًا يراقبونهم كما راقبني ابني ذلك المساء. يحملون سؤال الجيل القادم: هل نستطيع؟ وأجمل ما يمكن أن يقدموه لهذا الجيل ليس النتيجة وحدها، بل الإيمان بأن المحاولة الكبرى شرف، وأن الوقوف أمام العالم بثقة أول الانتصار.

أما القامة الحقيقية، فلم تكن يومًا ما يقف عليه الجسد، بل ما ينهض به الإنسان.

ولهذا، فإن كان منتخبنا من أقصر القامات، فليكن أعلى الهامات.

ففي هذه البلاد تعلمنا أن المستحيل لا يعيش طويلًا، وأن الأوطان التي تؤمن بنفسها تكبر من الداخل قبل أن يراها العالم من الخارج.

وحين يقف الأخضر تحت أضواء المونديال، سيعرف العالم أن السنتيمترات لا تصنع التاريخ.

الذي يصنعه هو القلب حين يكون بحجم وطن.