حماد القشانين

في زيارة للمركز الوطني للعمليات الأمنية بمدينة الرياض، وتحديدًا مركز العمليات الأمنية الموحدة «911»، أبهرني ما رأيت، لا من ضخامة الشاشات أو كثرة الأجهزة، بل من معنى الزمن حين يتحول إلى حياة إنسان. فلك أن تتخيل أن المركز يتلقى ما يقارب 13 ألف بلاغ كل 12 ساعة، وأن أطول مدة حتى يتم تعميم البلاغ على الجهات المختصة المرتبطة تقنيًا بالمركز لا تتجاوز 45 ثانية من لحظة استقباله.

هذه السرعة لم تأتِ مصادفة، بل نتيجة استغلال الذكاء الاصطناعي في تحليل المكالمات وتصنيفها، بما يساعد متلقي البلاغ على سرعة الفرز والتوجيه، ويربط البلاغ بالجهات الأمنية والإسعافية والخدمية بحسب طبيعته. هنا لا تكون التقنية ترفًا، بل أداة إنقاذ، تختصر الارتباك، وتحوّل الخوف إلى إجراء ميداني واضح.

وما لفتني أكثر وجود صالة متخصصة في الأمن الوقائي، لا تنتظر البلاغ دائمًا، بل ترصد المواقع المهمة والحيوية، وتقرأ المؤشرات غير الطبيعية من تحركات أو أدخنة وغيرها عبر الذكاء الاصطناعي، حتى أصدر المركز ما يزيد على 29 ألف بلاغ إلى الدوريات الأمنية في الميدان قبل أن يرد البلاغ من أشخاص خارج المركز. وهذا يعني أن الأمن لم يعد فقط أن تستجيب لمن يستغيث، بل أن تصل إليه قبل أن يستغيث.

استمعنا إلى مكالمة واردة من جهاز إبلاغ آلي عن حادث مركبة حديثة على طريق المنطقة الشرقية، وكيف وصلت دوريات أمن الطرق والإسعاف خلال دقائق، بعد تحديد موقع المركبة بدقة عبر خطوط العرض والطول. كما استمعنا إلى بلاغ من مخطوفة ادعت أنها تتصل بمحل ورود، وكيف فهم مستقبل البلاغ ما لا تستطيع قوله، حتى تم القبض على المختطف خلال 13 دقيقة رغم صعوبة تحديد موقعها.

وكان لي مقترح طرحته على قيادات المركز، وهو إيجاد منصة لإدارة الأزمات الاتصالية الناتجة عن المقاطع والمنشورات المفبركة بالذكاء الاصطناعي، كادعاء وجود حيوانات مفترسة أو زلازل أو قنابل في مواقع حيوية. فخطورة هذه الأكاذيب ليست في نشر الرعب فقط، بل في إغراق خطوط الطوارئ ببلاغات مضللة، قد تحرم محتاجًا حقيقيًا من سرعة الاستجابة.

لذلك نحتاج إلى حسابات رسمية موثقة تنفي هذه الادعاءات خلال دقائق، وتوجه الناس لعدم تداولها، كما حدث مع المقاطع المفبركة التي أظهرت نمرًا متوحشًا في أحد أحياء شمال الرياض.

ما أريد قوله إن جودة الحياة ليست حدائق ومقاهي وطرقًا جميلة فقط، بل أن تعرف أن هناك من يسمع خوفك، ويفهم صمتك، ويصل إليك قبل أن تكتمل صرختك، وهذه هي «جودة حياتنا حتى في 911».