أصيل الجعيد

تثير المنازعات التي تنشأ بين الجهات الحكومية إشكالات قانونية وعملية تتجاوز مجرد حسم النزاع القائم، نظرًا إلى أن أطراف الخصومة تنتمي في الأصل إلى الدولة وتسعى جميعها إلى تحقيق المصلحة العامة. ولهذا السبب اتجهت العديد من الدول إلى تطوير وسائل خاصة لتسوية تلك المنازعات بما يضمن سرعة الفصل فيها، ويحد من إهدار الموارد العامة، ويعزز التنسيق المؤسسي بين الأجهزة الحكومية.

وفي المملكة العربية السعودية، شهدت السنوات الأخيرة تطورًا ملحوظًا في مجال بدائل تسوية المنازعات، مدفوعًا بالتوسع في النشاط الاقتصادي، وارتفاع حجم العقود الحكومية، وتوجهات رؤية المملكة 2030 التي أولت أهمية كبيرة لتعزيز الكفاءة والحوكمة ورفع جودة الخدمات العامة. وقد انعكس ذلك في تحديث البيئة النظامية للتحكيم وتوسيع نطاق استخدامه في بعض المجالات ذات الصلة بالعقود والمشتريات الحكومية.

وتختلف المنازعات بين الجهات الحكومية عن المنازعات التقليدية التي تكون الدولة طرفًا فيها في مواجهة الأفراد أو الشركات، إذ إن الخصومة هنا تدور بين أجهزة عامة تمارس اختصاصاتها لتحقيق أهداف الدولة ذاتها. ومن ثم، فإن استمرار النزاع لفترات طويلة أمام القضاء قد يؤدي إلى تعطيل المشروعات العامة وتأخير تنفيذ الالتزامات المتبادلة، فضلًا عن الآثار المالية والإدارية المترتبة على ذلك.

ومن هذا المنطلق، يبرز التحكيم باعتباره وسيلة فعالة لحسم النزاعات من خلال إسناد الفصل فيها إلى هيئة مستقلة تتمتع بالخبرة الفنية والقانونية اللازمة، مع منح الأطراف قدرًا أكبر من المرونة في إدارة الإجراءات واختيار المحكمين وتحديد القواعد المنظمة للعملية التحكيمية. وقد أسهم نظام التحكيم السعودي الصادر عام 1433 في بناء إطار نظامي حديث يتوافق مع المعايير الدولية، الأمر الذي عزز الثقة بالتحكيم كأحد الوسائل البديلة لتسوية المنازعات.

وعلى الرغم من اتساع نطاق التحكيم في المملكة، فإن لجوء الجهات الحكومية إليه ما زال يخضع لضوابط خاصة تتفق مع الطبيعة الاستثنائية للأموال العامة والمصالح المرتبطة بها. ولهذا ارتبط السماح بالتحكيم في بعض الحالات بوجود موافقات نظامية محددة أو نصوص خاصة تجيز ذلك، وهو ما يعكس الحرص على تحقيق التوازن بين متطلبات حماية المصلحة العامة والاستفادة من مزايا التحكيم في تسوية النزاعات.

وعلى الصعيد المقارن، تبنت فرنسا منذ وقت مبكر أساليب متعددة لتسوية المنازعات الإدارية، وأوجدت أجهزة متخصصة لتنسيق العلاقات بين المؤسسات العامة، مع إفساح المجال أمام التحكيم في حالات معينة تخضع لاعتبارات المصلحة العامة. كما اتجهت المملكة المتحدة إلى تشجيع الوسائل البديلة لتسوية المنازعات داخل القطاع العام، انطلاقًا من أهمية تخفيض تكاليف التقاضي وتسريع معالجة الخلافات بين الهيئات الحكومية.

وفي الولايات المتحدة الأمريكية، تلعب الوساطة والتحكيم دورًا مهمًا في معالجة النزاعات التي تنشأ بين الوكالات الفيدرالية، حيث تسمح التشريعات الفيدرالية باستخدام وسائل التسوية البديلة بهدف تخفيف العبء عن المحاكم وتعزيز كفاءة الأداء الحكومي. أما سنغافورة، فقد نجحت في بناء نموذج متقدم يعتمد على ثقافة التسوية الودية والتحكيم المؤسسي، الأمر الذي جعلها من أبرز المراكز الدولية في هذا المجال.

وتكشف هذه التجارب عن وجود اتجاه عالمي متزايد نحو تقليل الاعتماد الحصري على القضاء التقليدي في المنازعات الحكومية، والبحث عن وسائل أكثر مرونة وسرعة وكفاءة. كما تؤكد أن نجاح التحكيم بين الجهات العامة لا يرتبط بالنصوص النظامية وحدها، وإنما يعتمد كذلك على وجود بيئة مؤسسية داعمة، وكفاءات قانونية متخصصة، وإجراءات واضحة تضمن المحافظة على المال العام وتحقيق المصلحة العامة.

وفي ضوء التطورات التي تشهدها المملكة، يبدو أن تعزيز استخدام التحكيم بين الجهات الحكومية يمثل أحد المسارات المهمة لدعم كفاءة الإدارة العامة، خاصة في ظل تزايد المشروعات المشتركة وتداخل الاختصاصات بين الجهات المختلفة. كما أن الاستفادة من التجارب الدولية الرائدة قد تسهم في بناء نموذج سعودي متوازن يحقق سرعة الفصل في النزاعات ويعزز مبادئ الحوكمة وجودة الأداء المؤسسي، بما ينسجم مع مستهدفات التنمية الشاملة ورؤية المملكة 2030. الاستفادة من التجارب الدولية الرائدة قد تسهم في بناء نموذج سعودي متوازن يحقق سرعة الفصل في النزاعات ويعزز مبادئ الحوكمة وجودة الأداء المؤسسي.