عبدالوهاب بدرخان

في واشنطن تُكال انتقادات حادة لـ«الاتفاق» مع طهران، وانبرى الرئيس ونائبه للدفاع عنه، فيما سجل وزير الخارجية ظهورًا أقل ربما لأنه يرسم مسافة بينه وبين الإشكال الحاصل، لأسباب تتعلق بطموحاته الرئاسية. ولم يخفف الحملة على «الاتفاق» القول إنه ليس نهائيًا بل «مذكرة تفاهم». إذ إن مجمل التقويمات حول العالم خلص إلى أن بنود «المذكرة» جاءت لمصلحة النظام الإيراني سياسيًا واقتصاديًا. أما القول إن المفاوضات المقبلة في شأن البرنامج النووي ستصحح المعادلة فإن الخبراء يردون عليه بأنه يصعب تصور فارق كبير (يستحق الحرب) بين قيود وشروط «اتفاق أوباما» وما يمكن أن يأتي به «اتفاق ترمب».

كان التوصل إلى «اتفاق 2015» استغرق أعوامًا من التفاوض، وتمكن النظام الإيراني أن يحقق مكاسب خلال تلك الفترة مستغلا نفورًا غريزيًا لدى باراك أوباما حيال دول الخليج، كذلك اندفاعه وإصراره على احتواء البرنامج النووي. وُلد الاتفاق وسط غض نظر أمريكي عن توسيع إيران نفوذها الإقليمي خصوصًا في سوريا ولبنان والعراق واليمن. وقياسًا إلى هذه المكاسب بدت التنازلات النووية (شروط التخصيب والرقابة) غير مؤلمة. هذه المرة استبق دونالد ترمب أي اتفاق محتمل بحربَين أمكن خلالهما تدمير جانب كبير من المنشآت النووية وغيرها من القدرات العسكرية الإيرانية، وأصبح من الطبيعي توقع أن تكون طهران أكثر واقعية وأن تعترف بأن الطموح النووي كلفها كثيرًا وقد يكلفها أكثر إذا أرادت الحفاظ عليه.

في السابق راهن أوباما على أن اتفاقه (من دون حرب) سيمكن «المعتدلين» من التقدم إلى واجهة النظام الإيراني، لكن مفاعيل الاتفاق لم تأتِ وفقًا لتوقعاته. والآن يعتبر ترمب أن «العقلانيين» صاروا في الحكم وأنه يتفاوض معهم، لكنه تناسى أنهم فرضوا عليه الوتيرة الزمنية التي تناسبهم ولم يعترف بأنهم استغلوا وقوع حربه في «فخ هرمز» وفرضوا شروطهم، لعلمهم بأن ترمب يريد «إنهاء الحرب» حتى لو كانت لديه القدرة على متابعتها.

كان جي دي فانس من بين مسؤولين أمريكيين اشتغلوا على التسريبات المدروسة ترويجًا لـ«الاتفاق»، خصوصًا أنه اشتهر بأنه الأقل تحمسًا للحرب. ومما قال فانس إن في «الاتفاق» تعهدًا إيرانيًا بـ«عدم دعم الجماعات الإرهابية»، في إشارة إلى تلك «الأذرع» الإقليمية لإيران التي شاركت في الحرب إلى جانبها، سواء بإطلاق صواريخ ومسيرات من العراق ضد دول الخليج، أو أشعلت حربًا تسببت بدمار معظم الجنوب اللبناني... وبعد نشر نص «الاتفاق» تبين أنه لا يشترط شيئًا على طهران بالنسبة إلى وكلائها.

بعد اتفاق 2015، وقبل أي اتفاق جديد، كانت الميليشيات الموالية لإيران ذهبت في وظيفتها التخريبية إلى حد جعل كثيرين يعتبرونها «القنبلة النووية» الحقيقية التي أنتجتها إيران، حتى صح التساؤل المزدوج: لماذا والحال هذه تسعى طهران (على الرغم من إنكارها) إلى سلاح نووي، وماذا يمكن أن تفعل لو امتلكته فعلًا؟ الإجابة كانت في صلب الخطاب السياسي، تصريحًا لا تلميحًا، ولم يكن هناك شك في أن «الجمهورية الإسلامية» طمحت إلى إحياء إرث الشاه والذهاب أبعد منه، وأرادت ذلك السلاح لتتزعم منطقة الخليج وترهبها، ولتهيمن على المنطقة العربية عمومًا. والسائد حاليًا أن «مذكرة التفاهم» تعيد تأهيل النظام ليمارس تلك الهيمنة. فهذا هو هدفها الإستراتيجي الذي يتحدث عنه صغار «محور الممانعة» وكبار قادته، ويعتبرون أن النفوذ الأمريكي هو العقبة الوحيدة أمام تحقيقه.

لم يجرؤ أي من القادة الإيرانيين على الدعوة إلى تغليب مصلحة الشعب ومراجعة هذا الطموح الذي لم يحصد سوى عقوبات أمريكية أوهنت الاقتصاد وعطلت التنمية، بل جلب أخيرًا حربًا مدمرة كادت تكون أكثر كارثية لولا وساطة الدول العربية- الإسلامية الخمس. فمن المرشد إلى رئيس البرلمان كان الهم الرئيسي إشهار فكرة أن الصمود في مواجهة أمريكا شكل «انتصارًا»، وأن «الانتصار» يعني أن إيران خرجت «أقوى مما كانت قبل الحرب». لذلك تبقى دول المنطقة حذرة في استشراف ما بعد الحرب، فهي رحبت طبعًا بنجاح مساعيها لدى واشنطن لإنهائها، لكن ما تجهله عن مفاوضات ترمب مع إيران أكثر مما تعرفه. ومن الصعب الوثوق بأي من الطرفين.

كما في 2015 كذلك الآن، لا تريد إسرائيل أي اتفاق. وبعدما استطاع بنيامين نتنياهو أن يبتز أوباما ويجمد الاتفاق في الكونجرس، أتيح له أن يقنع ترمب، المقتنع أصلًا، بالذهاب إلى حرب على إيران، أما الإياب منها فمسألة أخرى. اكتشفت إدارة ترمب الأخطاء وفضلت اتفاقًا دبلوماسيًا، غير أن نتنياهو سيعمل على إفشال «الاتفاق»، والبعض يتساءل مَن سيُفشل الآخر: ترمب أم نتنياهو؟ أما إيران الخارجة -أقوى؟!- من الحرب فتعرض حوارًا مع دول الخليج من أجل إزالة «حالة الغموض القائمة» بعد التفاهم بين طهران وواشنطن. الخليج متموضع جيدًا للحوار والتفاهم، لكنه ينتظر ليرى ما إذا كانت إيران اقتنعت أخيرًا بأن تصبح «دولة طبيعية».

* ينشر بالتزامن مع موقع «النهار العربي» بعدما استطاع بنيامين نتنياهو أن يبتز أوباما ويجمد الاتفاق في الكونجرس، أتيح له أن يقنع ترمب، بالذهاب إلى حرب على إيران، أما الإياب منها فمسألة أخرى.