علي الشريمي

هناك حقائق لا نتعلمها في المدارس، ولا تمنحها لنا الكتب، بل يعلمنا إياها العمر. ومن أقساها أن الإنسان لا يدرك القيمة الحقيقية لوالده إلا عندما يفتقد حضوره.

تزامن يوم الأب العالمي هذا العام مع ذكرى رحيل والدي، فوجدتني أعود بذاكرتي إلى سنوات مضت، لا لأستحضر لحظة الفقد، بل لأتأمل ما تركه غيابه في داخلي. فالأيام لا تعيد الراحلين، لكنها تكشف مع الوقت أشياء لم نكن نراها وهم بيننا.

بعد رحيل والدي، أصبحت ألاحظ تفاصيل لم أكن ألتفت إليها من قبل. حين أواجه موقفًا عائليًا معقدًا، يتبادر إلى ذهني سؤال واحد: كيف كان أبي سيتصرف؟ وحين أحقق أمرًا كنت أسعى إليه، أشعر أن أول شخص كنت أتمنى أن يشاركني فرحتي لم يعد حاضرًا. عندها أدركت أن بعض الآباء يرحلون بأجسادهم، لكنهم يواصلون توجيه أبنائهم بما غرسوه فيهم من قيم ومواقف.

ولم تكن أكثر ما علق في ذاكرتي إلا تفاصيل الحياة اليومية؛ صوته وهو يسأل عن أحوالنا، ونظرته التي كانت تطمئننا قبل أن ينطق بكلمة، وحضوره في المجلس، وحرصه على اجتماع الأسرة. تلك التفاصيل التي كانت تبدو عادية، اتضح أنها كانت تمنح البيت روحه، وتمنح أبناءه شعورًا بالأمان.

ومع مرور السنوات، تغيّر فهمي لمعنى الأبوة. فالأب ليس مجرد من يعمل ويكسب وينفق، بل هو من يحمل هموم أسرته بصمت، ويؤجل راحته من أجل راحتهم، ويمنح أبناءه الثقة قبل المال، والاستقرار قبل أي شيء آخر. وكثيرًا ما لا يكتشف الأبناء حجم هذا العطاء إلا عندما يجدون أنفسهم يواجهون الحياة من دونه.

ولهذا، فإن يوم الأب ليس مجرد مناسبة، بل فرصة لمراجعة علاقتنا بآبائنا. فهناك آباء ما زالوا بين أبنائهم، لكنهم ينتظرون زيارة لا تستغرق سوى ساعة، أو اتصالًا يطمئنهم أن أبناءهم بخير، أو جلسة عائلية يستمعون فيها إلى أحاديث من تعبوا من أجلهم. هذه اللحظات، على بساطتها، قد تكون أعظم عندهم من أي شيء آخر، لأنها تعني أن مكانتهم ما زالت محفوظة في قلوب أبنائهم.

ومن فقد والده، يدرك أن البر لا ينتهي عند الرحيل. فباب الدعاء لا يغلق، والصدقة تبقى، وصلة الرحم التي كان يحبها تستمر، وكل خلق حسن تعلمناه منه هو صورة من صور الوفاء له. وهكذا يتحول الغياب من ألمٍ خالص إلى مسؤولية؛ مسؤولية أن نحفظ أثره، وأن نبقي سيرته الطيبة حاضرة في حياتنا.

أما أنا، فكلما مر عام جديد، ازددت يقينًا أن والدي لم يترك لي ذكرى فحسب، بل ترك لي منهجًا أعود إليه كلما التبست عليّ الحياة. وهذا، في نظري، هو أعظم ما يورثه الآباء لأبنائهم.

رحم الله أبي، ورحم جميع الآباء الذين غادروا الدنيا، وحفظ الله الآباء الأحياء. فمن كان والده إلى جواره فليغتنم هذه النعمة، وليمنحه من وقته واهتمامه ما يستحق. أما من فقد والده، فليبق الدعاء حاضرًا، فهو لغة البر التي لا تنقطع، وجسر المحبة الذي يمتد حتى بعد الرحيل.