عبدالرحمن المرزوقي

على مدى سنوات طويلة، اعتدنا تفسير إخفاقات المنتخب السعودي بأسباب متكررة. مرة بسبب المدرب، ومرة الدوري، ومرة قلة الاحتكاك أو ضعف الإعداد. لكن بعد عقود من المشاركات والنتائج المتذبذبة، ربما أصبح من الضروري أن نسأل سؤالاً مختلفاً: ماذا لو كانت المشكلة الحقيقية لا تكمن في القدم، بل في العقل؟

الموهبة السعودية ليست محل شك. على امتداد تاريخ الكرة السعودية، ظهر لاعبون يمتلكون مهارات فنية عالية، وقدرات فردية مميزة، وذكاءً كروياً يجعلهم قادرين على المنافسة. كما أن التطور البدني واللياقي في السنوات الأخيرة أصبح واضحاً، وأصبحت الأندية تستثمر في الإعداد البدني والطب الرياضي والتغذية بشكل أفضل من السابق. ومع ذلك، ما زالت النتائج في المباريات الكبرى والحاسمة لا تعكس حجم الإمكانات الموجودة.

المشكلة، في تقديري، ذهنية قبل أن تكون فنية أو بدنية. اللاعب السعودي قد يمتلك الموهبة والجاهزية البدنية، لكنه كثيراً ما يواجه صعوبة في المباريات الثقيلة أو أمام المنتخبات الكبرى.

هناك فرق واضح في أداء بعض اللاعبين بالمباريات الودية أو الأقل ضغطاً، وبين أدائهم في البطولات الكبرى أو المباريات المصيرية. وكأن اللاعب نفسه يتغير رغم أن موهبته لم تتغير، ورغم أن لياقته البدنية هي ذاتها، ورغم أن المدرب نفسه والمنظومة لم تتغير.

لو افترضنا مثلاً أن المنتخب السعودي واجه منتخباً كبيراً وتعرض لخسارة ثقيلة في بطولة رسمية، ثم واجه المنتخب نفسه بعد عدة أشهر في مباراة ودية، فإننا كثيراً ما نشاهد مستوى مختلفاً تماماً. اللاعب نفسه يصبح أكثر جرأة، وأكثر تحرراً، وأكثر قدرة على إظهار إمكانياته. وهذا يدفعنا إلى التفكير في العامل النفسي بوصفه متغيراً أساسياً في الأداء.

الاحتراف الحقيقي لا يبدأ من القدم، بل من العقل. فالعقلية الاحترافية ليست شعاراً أو حديثاً إعلامياً، بل بناء طويل يبدأ من الفئات السنية. اللاعب المحترف لا يُصنع عند سن الخامسة والعشرين، بل يبدأ تكوينه النفسي منذ الطفولة. يتعلم كيف يتعامل مع الضغوط، وكيف يستجيب للفشل، وكيف يبني ثقته بنفسه، وكيف يحافظ على تركيزه في أصعب الظروف، وكيف يطبق التكتيكات وكيف يفهمها وكيف يفكر في الملعب عند تطبيقها، هذه كلها أساسيات كرة القدم الحديثة.

هذه المهارات الذهنية لا تأتي بالمصادفة، بل تحتاج إلى تدريب وتأسيس وتطوير مستمر. ولهذا نرى كثيراً من اللاعبين الموهوبين يفقدون جزءاً كبيراً من قدراتهم في اللحظات الحاسمة، ليس لأن الموهبة اختفت، بل لأن الضغط النفسي أصبح أكبر من قدرة العقل على التعامل معه.

علم النفس الرياضي اليوم يؤكد أن الجانب النفسي يؤثر بشكل مباشر في اللياقة والموهبة والأداء البدني. فاللاعب الذي يدخل المباراة وهو خائف أو متردد أو فاقد للثقة، لا يستطيع الوصول إلى كامل طاقته. وعندما يشعر الدماغ بالخطر، فإنه يوجه الجسم إلى حالة من التأهب المستمر، ويزيد من التوتر والانتباه للخوف بدلاً من التركيز على الأداء، وهنا تحدث حبسة الموهبة.

ولهذا يشعر بعض اللاعبين بإرهاق شديد في المباريات الكبرى رغم جاهزيتهم البدنية العالية. لا تكمن المشكلة في العضلات أو اللياقة، بل في الدماغ الذي يعيش حالة ضغط مستمرة. فالخوف ونقص الثقة والتفكير السلبي لا تحبس الموهبة فقط، بل تقيد الجسد نفسه وتمنعه من العمل بكفاءته المعتادة.

اللاعب السعودي لا تنقصه الموهبة، وربما لا تنقصه اللياقة أيضاً، لكنه يحتاج إلى بناء عقلية احترافية قادرة على إخراج هذه الموهبة تحت الضغط. لأن الفرق بين اللاعب الجيد واللاعب العالمي ليس دائماً في المهارة، بل في القدرة على إظهار هذه المهارة واستخدامها في اللحظات الحاسمة تحت الضغط.

الفرق بين اللاعب الجيد واللاعب العالمي ليس دائماً في المهارة، بل في القدرة على إظهار هذه المهارة واستخدامها في اللحظات الحاسمة تحت الضغط.