كان العربيُّ قديمًا لا يعرف نفسه إلا من خلال قبيلته، تمامًا كما يُعرَف النهرُ بمنبعه والشجرةُ بجذورها؛ فالقبيلة لم تكن مجرّد تجمّعٍ بشريٍّ يربطه النسب، بل كانت الدولةَ والجيشَ والقضاءَ والحمايةَ والهويّةَ في آنٍ واحد. كان الرجلُ يخطو خطوته الأولى فيسمع صوتَ أبيه يقول: "أنتَ ابنُ فلان، من بني فلان"، وفي هذه الجملة الموجزة ما يكفيه دستورًا وديوانًا وسيفًا مسلولًا. أما اليومُ، وقد أسدل الزمنُ ستارته الثقيلة على حقبةٍ بأسرها، فلم يبقَ من القبيلة في الغالب إلا اسمُها على لسان أصحابها، ورُبَّ شابٍّ يُسأل عن شيخ قبيلته فلا يعرف له اسمًا، بل ربما لا يعرف حدودَ قبيلته من أصلها.
أوّلًا: القبيلة حين كانت
لفهم عمق ما جرى، لا بدّ من استحضار ما كانت عليه القبيلةُ في ذاكرة التاريخ العربي. يُقرّر ابن خلدون في مقدّمته الشهيرة — وهو أكثرُ من أرسى علم الاجتماع العربي على أُسُسٍ راسخة — أنّ "العصبيةَ هي الركيزة الأولى لكلّ تجمّعٍ بشري، وأنّ الدولَ لا تقوم ولا تمتدّ إلا على ظهرها"، وقد رأى في العصبية القبلية محرّكًا لا تحلّ محلّه قوّةٌ أخرى ما دامت الحضارةُ في طور نشأتها. وكانت القبيلةُ فعلًا كذلك: تحكم النزاعاتِ، وتفضّ الخصوماتِ، وتُدبّر الديّاتِ والمواريثَ، وتُسيِّر الحياة الاقتصادية بالإبل والمرعى والبئر. وكان الشيخُ — ذلك الرجل الذي وصفه الشاعر القديم بقوله: "عليه تحمل الأثقالُ والزبنُ" — مرجعًا يُحكَّم في كلّ صغيرةٍ وكبيرة، لا يُستهان بكلمته ولا يُردّ حكمه.
ثانيًا: المجتمع يعيش بيئةٍ حضرية
التحوّلاتُ الكبرى لا تأتي في ليلةٍ واحدة، بل تتسرّب كما تتسرّب المياهُ من تحت الصخر. وقد بدأت بذورُ التحوّل تُلقى منذ منتصف القرن العشرين، حين أخذت الدولةُ المدنية الحديثة تتمدّد وتتوطّد، وتستأثر بما كان للقبيلة من أدوار. ففي المملكة العربية السعودية — وهي النموذجُ الذي يكاد يكون الأبلغُ في هذا السياق — شهدت عقودُ ما بعد البترول تحوّلًا هيكليًا عميقًا في بنية المجتمع؛ إذ انتقل الملايين من البداوة والريف إلى المدن الكبرى، وبات المواطن يتعامل مع وزاراتٍ ومحاكمَ وجهاتٍ حكومية رقمية لا مع شيخ العشيرة.
يُشير الدكتور عبدالله الغذامي إلى أن "المدينةَ الحديثة أعادت تعريف الهويّة، وباتت هويّة الفرد مرتبطةً بمهنته ومؤهّله ورقمه الوطني أكثر من ارتباطها بنسبه ورهطه".
و كشفت أرقامُ الهيئة العامة للإحصاء السعودية أن نسبة سكّان المدن تجاوزت 84% من إجمالي السكان خلال السنوات الأخيرة، وهي نسبةٌ تعني ببساطة أن أكثر من أربعةِ أخماس المجتمع يعيش في بيئةٍ حضريةٍ تطغى فيها العلاقاتُ الوظيفية والمهنية والرقمية على صلات القرابة والنسب.
ثالثًا: الشيخ الذي لا يُعرَف
ثمّةَ مفارقةٌ مؤلمةٌ في مشهد اليوم: يجلس شيخُ القبيلة في مجلسٍ فخمٍ، يُستقبَل فيه بالترحيب، ويُخاطَب بالإجلال، ويُصوَّر في حفلاتٍ وتجمّعاتٍ رسمية، لكنّه حين يمرّ بحيٍّ من أحياء المدينة قد يكون فيه مئةٌ من أبناء قبيلته، لا يعرفه منهم إلا النزرُ اليسير. فقد صارت مكانةُ شيخ القبيلة أقربَ إلى المكانة الرمزية؛ تُلقى عليه كلمةٌ في مناسبةٍ وطنية، وتُدعى قبيلتُه إلى التقاط صورةٍ جماعية في عيدي الفطر والأضحى أو اليوم الوطني، ثم يتفرّق الجميع إلى مواطن عملهم وأحياء سكنهم البعيدة عن أي رابطٍ قبلي منظور.
يُنبّه عالم الأنثروبولوجيا الاجتماعية " فيليب مارسييه" في دراساته حول قبائل شبه الجزيرة العربية إلى أن "التحضّرَ المتسارع أفضى إلى ما يُمكن تسميته بـ'ترييف الانتماء'، أي أن الانتماءَ القبلي انتقل من كونه شبكةَ خدماتٍ ومسؤوليات حيّةٍ يومية إلى مجرّد موروثٍ رمزي يُستدعى في المناسبات العاطفية".
رابعًا: الدولة المدنية..الوارث الأكبر
ما الذي بدلته الدولةُ المدنية في القبيلة؟ بدلت كلَّ شيء تقريبًا:
القضاء: فلا تُفضّ خصومةٌ اليوم بكلمة شيخٍ، بل بحكمٍ صادرٍ عن محكمةٍ مرقّمة الأحكام، مسجّلةِ القيود، نافذةِ التنفيذ عبر جهاتٍ رسمية. الحماية: إذ لا يلتجئ المظلومُ إلى عصبيّة قومه ليُنصَر، بل إلى شرطةٍ ونيابةٍ وقضاءٍ وأجهزةٍ أمنية لا تسأل عن النسب.
التضامن الاجتماعي: فالضمانُ الصحي والتقاعدُ وصناديق الإقراض والدعم السكني ،كلُّها بدّلت الشبكةَ القبلية التي كان يتّكئ عليها الفردُ حين يُصيبه الدهر. وفي الأخير الهويّةَ ذاتها: حين بات الرقمُ الوطني هو المُعرِّف الأوّل، وبات جواز السفر لا النسبُ هو ما يُثبت الانتماء أمام العالم.
يقول المغربي محمد عابد الجابري في كتابه العقل السياسي العربي: "إن القبيلةَ كانت البنيةَ التحتيةَ للسلطة في المجتمع العربي، وحين تقوّت الدولةُ المركزية لم تُلغِها رسميًا، لكنّها نزعت منها وظائفَها واحدةً واحدة حتى لم يبقَ منها إلا الاسم".
خامسًا: الانتماء في زمن التواصل الاجتماعي
وإن كنتَ تظنّ أن الإنترنت أحيا القبيلةَ أو أعاد إليها شيئًا من روحها، فأعِد النظر. صحيحٌ أن مجموعاتِ القبائل على واتساب وتيليغرام انتشرت انتشارًا واسعًا، وأن هاشتاقاتٍ قبلية تُوحّد الناس رقميًا في مناسبات بعينها، لكنّ هذا التوحّد سرعان ما يتبدّد كالرغوة حين ينتهي الاحتفال. فالمجموعةُ القبلية الإلكترونية لا تقضي في نزاعٍ، ولا تُعين على مصيبةٍ، ولا تُسدي في الغالب أكثرَ من تهانٍ في الأعياد وصورٍ من أرشيف الماضي.
وهذا بالضبط هو جوهرُ التحوّل: لم تمت القبيلةُ عاطفةً ووجدانًا، لكنّها ماتت وظيفةً وأثرًا. صارت مِلاطَ الحنين لا مِلاطَ البناء.
خاتمة: الاسم الباقي والروح الراحلة
يبقى الاسمُ القبلي اليومَ كما تبقى القصيدةُ حين يموت شاعرها؛ كلماتٌ تُتلى بحرارةٍ، وذكرى تُستعاد بمحبّة، لكنّ يدَ قائلها التي كانت تُشكّلها لم تعد هنا.
القبيلةُ لم تُهزم في معركة، ولم يصدر بحلّها مرسومٌ، بل فعل بها الزمنُ ما لا تفعله السيوف: أخذ وظائفَها واحدةً واحدة، وترك لها الاسمَ رفيقَ العزاء. والأجدرُ بأبناء القبائل اليومَ أن يفتخروا بتاريخ أجدادهم، لا أن ينتظروا من القبيلة ما لم تعد مؤهّلةً لأدائه في عصرٍ صارت فيه الكفاءةُ قبيلةً، والمؤسسةُ عشيرةً، ووطنٌ بأسره هو العصبيّةُ الكبرى التي تجمع الجميع في ظلّ الدولة المدنية الحديثة.
"إنَّ مِنْ أعظمِ البيانِ أن تُعرّي الحقيقةَ من ثيابها الموروثة، وتُريَها للناس كما هي لا كما يشتهون.
أوّلًا: القبيلة حين كانت
لفهم عمق ما جرى، لا بدّ من استحضار ما كانت عليه القبيلةُ في ذاكرة التاريخ العربي. يُقرّر ابن خلدون في مقدّمته الشهيرة — وهو أكثرُ من أرسى علم الاجتماع العربي على أُسُسٍ راسخة — أنّ "العصبيةَ هي الركيزة الأولى لكلّ تجمّعٍ بشري، وأنّ الدولَ لا تقوم ولا تمتدّ إلا على ظهرها"، وقد رأى في العصبية القبلية محرّكًا لا تحلّ محلّه قوّةٌ أخرى ما دامت الحضارةُ في طور نشأتها. وكانت القبيلةُ فعلًا كذلك: تحكم النزاعاتِ، وتفضّ الخصوماتِ، وتُدبّر الديّاتِ والمواريثَ، وتُسيِّر الحياة الاقتصادية بالإبل والمرعى والبئر. وكان الشيخُ — ذلك الرجل الذي وصفه الشاعر القديم بقوله: "عليه تحمل الأثقالُ والزبنُ" — مرجعًا يُحكَّم في كلّ صغيرةٍ وكبيرة، لا يُستهان بكلمته ولا يُردّ حكمه.
ثانيًا: المجتمع يعيش بيئةٍ حضرية
التحوّلاتُ الكبرى لا تأتي في ليلةٍ واحدة، بل تتسرّب كما تتسرّب المياهُ من تحت الصخر. وقد بدأت بذورُ التحوّل تُلقى منذ منتصف القرن العشرين، حين أخذت الدولةُ المدنية الحديثة تتمدّد وتتوطّد، وتستأثر بما كان للقبيلة من أدوار. ففي المملكة العربية السعودية — وهي النموذجُ الذي يكاد يكون الأبلغُ في هذا السياق — شهدت عقودُ ما بعد البترول تحوّلًا هيكليًا عميقًا في بنية المجتمع؛ إذ انتقل الملايين من البداوة والريف إلى المدن الكبرى، وبات المواطن يتعامل مع وزاراتٍ ومحاكمَ وجهاتٍ حكومية رقمية لا مع شيخ العشيرة.
يُشير الدكتور عبدالله الغذامي إلى أن "المدينةَ الحديثة أعادت تعريف الهويّة، وباتت هويّة الفرد مرتبطةً بمهنته ومؤهّله ورقمه الوطني أكثر من ارتباطها بنسبه ورهطه".
و كشفت أرقامُ الهيئة العامة للإحصاء السعودية أن نسبة سكّان المدن تجاوزت 84% من إجمالي السكان خلال السنوات الأخيرة، وهي نسبةٌ تعني ببساطة أن أكثر من أربعةِ أخماس المجتمع يعيش في بيئةٍ حضريةٍ تطغى فيها العلاقاتُ الوظيفية والمهنية والرقمية على صلات القرابة والنسب.
ثالثًا: الشيخ الذي لا يُعرَف
ثمّةَ مفارقةٌ مؤلمةٌ في مشهد اليوم: يجلس شيخُ القبيلة في مجلسٍ فخمٍ، يُستقبَل فيه بالترحيب، ويُخاطَب بالإجلال، ويُصوَّر في حفلاتٍ وتجمّعاتٍ رسمية، لكنّه حين يمرّ بحيٍّ من أحياء المدينة قد يكون فيه مئةٌ من أبناء قبيلته، لا يعرفه منهم إلا النزرُ اليسير. فقد صارت مكانةُ شيخ القبيلة أقربَ إلى المكانة الرمزية؛ تُلقى عليه كلمةٌ في مناسبةٍ وطنية، وتُدعى قبيلتُه إلى التقاط صورةٍ جماعية في عيدي الفطر والأضحى أو اليوم الوطني، ثم يتفرّق الجميع إلى مواطن عملهم وأحياء سكنهم البعيدة عن أي رابطٍ قبلي منظور.
يُنبّه عالم الأنثروبولوجيا الاجتماعية " فيليب مارسييه" في دراساته حول قبائل شبه الجزيرة العربية إلى أن "التحضّرَ المتسارع أفضى إلى ما يُمكن تسميته بـ'ترييف الانتماء'، أي أن الانتماءَ القبلي انتقل من كونه شبكةَ خدماتٍ ومسؤوليات حيّةٍ يومية إلى مجرّد موروثٍ رمزي يُستدعى في المناسبات العاطفية".
رابعًا: الدولة المدنية..الوارث الأكبر
ما الذي بدلته الدولةُ المدنية في القبيلة؟ بدلت كلَّ شيء تقريبًا:
القضاء: فلا تُفضّ خصومةٌ اليوم بكلمة شيخٍ، بل بحكمٍ صادرٍ عن محكمةٍ مرقّمة الأحكام، مسجّلةِ القيود، نافذةِ التنفيذ عبر جهاتٍ رسمية. الحماية: إذ لا يلتجئ المظلومُ إلى عصبيّة قومه ليُنصَر، بل إلى شرطةٍ ونيابةٍ وقضاءٍ وأجهزةٍ أمنية لا تسأل عن النسب.
التضامن الاجتماعي: فالضمانُ الصحي والتقاعدُ وصناديق الإقراض والدعم السكني ،كلُّها بدّلت الشبكةَ القبلية التي كان يتّكئ عليها الفردُ حين يُصيبه الدهر. وفي الأخير الهويّةَ ذاتها: حين بات الرقمُ الوطني هو المُعرِّف الأوّل، وبات جواز السفر لا النسبُ هو ما يُثبت الانتماء أمام العالم.
يقول المغربي محمد عابد الجابري في كتابه العقل السياسي العربي: "إن القبيلةَ كانت البنيةَ التحتيةَ للسلطة في المجتمع العربي، وحين تقوّت الدولةُ المركزية لم تُلغِها رسميًا، لكنّها نزعت منها وظائفَها واحدةً واحدة حتى لم يبقَ منها إلا الاسم".
خامسًا: الانتماء في زمن التواصل الاجتماعي
وإن كنتَ تظنّ أن الإنترنت أحيا القبيلةَ أو أعاد إليها شيئًا من روحها، فأعِد النظر. صحيحٌ أن مجموعاتِ القبائل على واتساب وتيليغرام انتشرت انتشارًا واسعًا، وأن هاشتاقاتٍ قبلية تُوحّد الناس رقميًا في مناسبات بعينها، لكنّ هذا التوحّد سرعان ما يتبدّد كالرغوة حين ينتهي الاحتفال. فالمجموعةُ القبلية الإلكترونية لا تقضي في نزاعٍ، ولا تُعين على مصيبةٍ، ولا تُسدي في الغالب أكثرَ من تهانٍ في الأعياد وصورٍ من أرشيف الماضي.
وهذا بالضبط هو جوهرُ التحوّل: لم تمت القبيلةُ عاطفةً ووجدانًا، لكنّها ماتت وظيفةً وأثرًا. صارت مِلاطَ الحنين لا مِلاطَ البناء.
خاتمة: الاسم الباقي والروح الراحلة
يبقى الاسمُ القبلي اليومَ كما تبقى القصيدةُ حين يموت شاعرها؛ كلماتٌ تُتلى بحرارةٍ، وذكرى تُستعاد بمحبّة، لكنّ يدَ قائلها التي كانت تُشكّلها لم تعد هنا.
القبيلةُ لم تُهزم في معركة، ولم يصدر بحلّها مرسومٌ، بل فعل بها الزمنُ ما لا تفعله السيوف: أخذ وظائفَها واحدةً واحدة، وترك لها الاسمَ رفيقَ العزاء. والأجدرُ بأبناء القبائل اليومَ أن يفتخروا بتاريخ أجدادهم، لا أن ينتظروا من القبيلة ما لم تعد مؤهّلةً لأدائه في عصرٍ صارت فيه الكفاءةُ قبيلةً، والمؤسسةُ عشيرةً، ووطنٌ بأسره هو العصبيّةُ الكبرى التي تجمع الجميع في ظلّ الدولة المدنية الحديثة.
"إنَّ مِنْ أعظمِ البيانِ أن تُعرّي الحقيقةَ من ثيابها الموروثة، وتُريَها للناس كما هي لا كما يشتهون.