حماد القشانين

قبل أن تسمع مني عزيزي القارئ، لا بد أن أعترف أن معرفتي بعالم كرة القدم مثل معرفة جدتي -رحمها الله- بأسرار «كلود» للذكاء الاصطناعي، ولكن ما شاهدته بعيني أن الشعب السعودي، رجالًا وأطفالًا ونساء، بل ورضّعًا في أحضان أمهاتهم، قد سهروا حتى أشرقت شمس صباح السبت، أملًا وحبًا وانتماء لكرة أحبوها منذ طفولتهم.

ولو كان المنتخب السعودي لكرة السلة أو الطائرة في مباراة نهائية على كأس العالم، لما كان هذا الحضور، وليس تقليلًا من أي لعبة، بل هذا ما يجب أن يستوعبه القائمون على منتخبنا لكرة القدم. وأعتقد أن ما حدث في مباراتنا مع الرأس الأخضر هو خلاصة ما يريد الشارع السعودي أن يوصله لكل من أوصل منتخبنا إلى هذا المستوى، على مدى أكثر من 30 عامًا؛ فلا نريد أن نتذكر إلا منتخبنا في مونديال 94، ثم نعيش على لقطة فوزنا على الأرجنتين في مونديال 22، والتي جعلتنا ننام تلك الليلة وكأن الكأس سيصل مع الشحن السريع، ثم جاءت المباراتان التاليتان لتقول لنا إن الفرح المؤقت شيء، وبناء المنتخب شيء آخر.

والرأس الأخضر كما تعرفون مجموعة جزر صغيرة متناثرة في طرف المحيط، وعدد سكانها قرابة نصف مليون نسمة، وتقاربهم في البنية الجسدية والتركيبة البيولوجية يجعل خياراتهم البشرية محدودة مهما اجتهدوا. أما مملكتنا القارة الصغيرة، فكم بين شمالها وجنوبها، وكم تنخفض سباخها عن مرتفعات عسيرها، وكيف تتلون بشرة شبابها، وتتعدد بيئاتهم وأجسادهم وقدراتهم، أوليس المتاح لدينا أكثر بكثير من المتاح لدى الرأس الأخضر؟!

ومع ذلك أثبت الرأس الأخضر للعالم أن الروح القتالية والدافعية تحقق التأهل ولو قلّت الإمكانيات، بينما قد تجعل قيمة العقود الرياضية لبعض لعيبة منتخبنا مع أنديتهم المحلية سببًا في فقدانهم لهذه الروح، كون هذا اللاعب قد حقق ذاته وتشتت بين الشهرة والمال مع صغر السن وقلة التوجيه، فيسبق الترف التكوين، وتسبق النجومية الانضباط، بينما ارتداء قميص المنتخب حمل ثقيل، فهو علم دولة، وذاكرة شعب، ودمعة طفل سهر ينتظر فرحة لم تأت.

أختصر حديثي بأننا أمة تحب كرة القدم، ومن حقنا أن نرى علمنا السعودي خفاقًا في كأس العالم 2034 على أرضنا، لا لأننا نستضيف البطولة فقط، بل لأننا نستحق أن نكون فيها بصورة تليق بوطننا؛ وما بيننا وبين ذلك العام ثمانية أعوام، وهي كافية لمن يريد أن يبني أعظم مشروع كروي حقيقي.

نريد أن نرى منتخبًا يولد من المدارس والأحياء والأكاديميات، نريد أن نربي في اللاعب معنى المنتخب قبل أن يصبح مشهورًا، ومعنى النشيد، ومعنى أن ملايين الناس لا تسهر لأجله لأنه لاعب محترف فقط، بل لأنه يرتدي قميص وطن. وقد سمعت أن رئيس الاتحاد السعودي لكرة القدم قدم استقالته، فأتمنى ألا تقع الإدارة الجديدة في وصف أحد إعلاميينا الرياضيين حين قال إن إدارتنا للمنتخب تشبه تعامل بعض الناس مع ملابس العيد في ليلة العيد؛ كأنه تفاجأ أن الغد عيد، رغم أنه يعرف موعده من العيد الذي سبقه، ثم يظهر صباح العيد بشكل يندم عليه حتى العيد التالي.

فما أرجوه أن تكون مباراة الرأس الأخضر بداية مراجعة حقيقية، لأن الوطن الذي أبهر العالم في التنظيم والاستضافة والاستثمار، قادر أن يبهره داخل الملعب أيضًا، متى تخلص من متلازمة (منتخبنا وليلة العيد).