خالد بن إبراهيم بن فايع

خالد بن إبراهيم بن فايع

خرج منتخبنا الوطني الأول لكرة القدم من نهائيات كأس العالم 2026 بخيبة أمل مريرة ومغادرة مبكرة من دور المجموعات بعد تذيله المجموعة الثامنة بنقطتين فقط، إثر تعادل تاريخي مع منتخب الأوروغواي بنتيجة (1-1)، وخسارة قاسية أمام المنتخب الإسباني بنتيجة (4-0)، ليتوج المشهد النهائي بتعادل سلبي محبط أمام منتخب الرأس الأخضر (كاب فيردي) في ولاية تكساس الأمريكية. هذا الإقصاء المبكر لم يكن مجرد كبوة عابرة، بل جاء بمثابة جرس إنذار قاد رئيس الاتحاد السعودي لكرة القدم الأستاذ ياسر المسحل لتقديم استقالته بشجاعة وتحمل المسؤولية الكاملة.

وعليه فإننا اليوم أمام مرحلة مفصلية تتطلب تشخيصاً دقيقاً للأسباب، ووضع حلول جذرية استعداداً للنسخ القادمة من كأس العالم والبطولات الخارجية الأخرى مثل بطولة كأس الخليج وبطولة كأس آسيا 2027 والتي ستقام على أرض المملكة الحبيبة، وصولاً إلى الحلم الأكبر المتمثل في استضافة وتنظيم كأس العالم 2034.

ودعونا بداية نقوم بتشخيص أزمة سقوط صقورنا الخضر في كأس العالم 2026، حيث تتمثل المشكلة في عدة نقاط من أهمها:

العقم الهجومي الهيكلي وغياب الحلول، حيث ظهر الأخضر بفقر هجومي حاد وعجز تكتيكي واضح في الثلث الأخير من الملعب؛ فمنذ هدف عبدالإله العمري في شباك الأوروغواي، صام الفريق تماماً عن التهديف، وغابت الفعالية والابتكار الفردي والجماعي، وهو امتداد طبيعي لجلوس اللاعب المحلي على دكة البدلاء في الدوري السعودي للمحترفين. عدم استقرار الجهاز الفني، ونتيجة لذلك فقد تضررت تحضيرات المنتخب بشكل مباشر بعد إقالة الفرنسي هيرفي رينارد قبل البطولة بأقل من شهرين، ومن ثم تعيين اليوناني جورجيوس دونيس، حيث حرم هذا التغيير المتأخر المنتخب من التجانس التكتيكي المطلوب في المحافل الدولية الكبرى مثل بطولة كأس العالم.على الرغم من القيمة السوقية الفلكية والطفرة الهائلة التي يشهدها دوري روشن للمحترفين بفضل استقطاب أبرز نجوم العالم، إلا أن اللاعب السعودي بات يعاني من قلة المشاركة بصفة أساسية مع ناديه وظل حبيس دكة الاحتياط، مما أضعف حساسية المباريات والجاهزية اللياقية والذهنية في المونديال والمباريات الكبرى. غياب الروح والقتالية والشغف باستثناء الحارس محمد العويس الذي ذاد عن مرمانا ببسالة، حيث افتقدت المجموعة بشكل عام إلى الروح القتالية العالية وشغف المنافسة الذي اعتدناه من الصقور الخضر في المناسبات التاريخية الكبرى. وبناء على ما ذكر، فإننا نضع بعض الحلول المقترحة لتصبح خارطة طريق نحو التصحيح ووضع استراتيجية للسنوات القادمة، حيث نقترح الآتي للتطوير الشامل والمنهجي:

يجب مراجعة نظام قيد اللاعبين الأجانب في الدوري السعودي للمحترفين؛ إما بتقليص العدد تدريجياً، أو فرض آلية تضمن مشاركة حد أدنى من اللاعبين المحليين الشباب (تحت سن 23 سنة) بصفة أساسية في مباريات الدوري لمنحهم الخبرة والاحتكاك.الاستثمار المكثف في الأكاديميات والفئات السنية، ولعل نموذج أكاديمية محمد السادس في المغرب وتجارب دولية أخرى تثبت أن المنتخب يُبنى من القاعدة، ومن أهم ما يمكن عمله في هذا الشأن هو تدشين أكاديميات وطنية حديثة في مختلف مناطق المملكة تدار بعقول عالمية لاكتشاف وصقل المواهب مبكراً. يجب ألا يقتصر طموح اللاعب المحلي على الدوري السعودي، فلا بد من تسهيل عقود الاحتراف في الدوريات الأوروبية (حتى المتوسطة منها)، حيث سيسهم ذلك في رفع عقلية اللاعب التكتيكية، وزيادة مرونته البدنية والذهنية مثلما نرى في منتخبات آسيوية وإفريقية متطورة. اختيار جهاز فني عالمي جديد لبرنامج يمتد لسنوات، بعيداً عن سياسة "إطفاء الحرائق" والتعاقدات المؤقتة، مع منحه كافة الصلاحية الكاملة لبناء جيل جديد وضخ دماء شابة قادرة على العطاء لسنوات. تمكين المدرب السعودي المحلي من المشاركة في تدريب بعض الفئات السنية لتطويره وتجهيزه، حيث أثبتت تجارب بعض الدول الإفريقية والآسيوية أن المدرب الوطني جدير بالاهتمام والرعاية والثقة وإعطائه الفرصة كاملة، ولنا في الكابتن خليل الزياني أفضل مثال، حيث حقق لقب كأس آسيا لأول مرة عام 1984، والتأهل لأولمبياد لوس أنجلوس، إضافة إلى الفوز بلقب الدوري السعودي مرتين وكأس العرب مع نادي الاتفاق.

وختاماً، فإن استقالة اتحاد كرة القدم يجب أن تكون بداية لعهد جديد من التخطيط والمكاشفة لا التبرير والمساءلة، فالقيادة الرشيدة حفظها الله قدمت - ولا تزال تقدم - دعماً سخياً غير محدود للرياضة السعودية بشكل عام وكرة القدم بشكل خاص؛ والمأمول الآن هو تحويل هذا الدعم المالي والتنظيمي إلى بنية تحتية كروية تصنع لاعبين سعوديين قادرين على مقارعة الكبار، لنكون جاهزين لتمثيل الوطن بالشكل الذي يليق بمكانة وسمعة بلدنا العظيم المملكة العربية السعودية.