أنس الرشيد

أظن - وبعض الظن يحبل لليقين - أنَّ العقلَ يستكين في مقارباته الكتابيّة إلى قوالب يصنعها تاريخ الإبداع الجمعي، تتحول هذه القوالب شبه الموضوعية إلى قوالب ذاتية تُصنّف النصوصَ ضمن حدودٍ لا تقبل التداخل، ولا تقبل المساس بقدسيةِ ما يُظنُّ أنه يكسر قدسيته! فإما أن ينحاز الكاتبُ إلى صرامةِ البحث العلمي متسلحًا بوثائقه وتواريخه وأسماء شخوصه في فضاءٍ يظنُّ به أنه يكسر قدسية التأويل، ويهدم بنيانَ المضللين وما هو بكاسرٍ وهادمٍ إلا قلمه، أو أن ينطلق في فضاءات السرد والخيال الروائي والمجاز الشعري ظانًا أنه يكسر قيود القوالب، وهو يثبتها في الدفاع عن وجود الحقيقة التي يُخالفها! وهذه مفارقة يمكن أن أُسميها (صنع الحقيقة بتثبيت حقيقة المجاز) فيظن أنه حر من القوالب حين أوهمه صوته الداخلي بأنَّ شطحات اللغة لا حد لها، لكنه حين ينتهي من الشطحات يُطبطب على كتف الحقيقة ويَطمئن بأنها موجودة؛ لأنَّ وجوده مرهون بها. إلا أنَّ هناك قلمًا ظلَّ يحوم حول الحمى، حول منطقةٍ رمادية، برزخٍ مهجور يتوق فيه الحبر إلى التحرر من المجاز لكي يتحرر من الحقيقة، وهي منطقة دونها خرط القتاد؛ لأنها (أحبولة) تصف نفسَها بالجنس القائم بذاته، لا هو أدبي ولا علمي، منتزعة لنفسها مكانة خاصة؛ لأنها تعيش في عالم البرزخ الذي لا حياة بعده، لكنَّ حياتها القبليّة مليئة بالتدفق العاطفي المجرد الذي نجده في النص المجازي، وفي التقريرية الجافَّة والمباشرة التي تتسم بها المقالة البحثية، وهذا الامتلاء كان استعدادا لميلاد الأحبولة في البرزخ؛ في بركةٍ من دماء الأجناس كلها، ونسيجٍ بالغ التعقيد يُزاوج بين قطبين متنافرين ظاهريا، بعد أن حجب عنهما مصدر الغذاء والدواء، المنبع الأحمق منبع شرب الدم الذي يُنتج دمًا من الفصيلةِ نفسها، أو دمًا من فصيلة النقيض. هذان القطبان هما الصرامة المطلقة التي تستدعي الحقائق -حين تشرب دماء الحقيقة- من تواريخ وشخصيات وقصيدة ومقولات مأثورة، بدقة المعمل حين يأخذ الدم ليحلله إلى مقولات كبرى، تلك التي لولا المجاز لما كان لها قيمة، والآخر هو الخيال الأدبي الذي يكتب بالدم نفسه ما يقبع خلف كراسة المعمل، ولولا تلك الكراسة ما كان لدم الخيال قيمة.

الأحبولة من الجذر الثلاثي (حَبَلَ)، وهو جذر يحمل دلالات متداخلة تشكل مجتمعةً الخصائصَ العضوية لهذا الفن: (الحَبْل) هو ما يُتوسل به للوصول إلى الغاية، وهو الخيط الممتد الذي يربط الأشياء ببعضها، ولا يكون هذا الربط إلا في عالم البرزخ، العالم الذي دكَّ جدران المعمل المكسوة بجبس القصائد، كاشفا عبثية ذلك البناء الذي تتقنع فيه الحقيقة بالمجاز كوجهين لعملة واحدة، ولم يضع مقامها جدرانا بديلة، إنما شيَّد جدرانا من معمار البرزخ الخالص، تولد بنَفَسٍ طويل وجمل متوالدة لا تقطيع فيها ولا انقسام، يعيش فيها ومعها القارئ ببطءٍ كأن لا حقيقة غيرها، وكأن لا باطل إلا هي. و(الحَبَل) تخليق الجديد، فمن الجذر ذاته يأتي الحَبَل (الحمل والولادة)، لكن من يحمل ويلد في برزخ لا وهجَ بعده؟ ربما هي الفكرة المدهشة أو المفارقة التي لم تخطر على البال، تلك التي تأتي من فراغ الوثيقة التاريخية نفسها، بعد أن تلقحها بما بعد الخيال، فتغدو كأنها وثيقة بالمجاز المتجاوز لكنها في الوقت نفسه هي وثيقة بالفعل، لأنَّ المكان برزخ لا عودة منه، ولا منجأ بعده؛ مما يجعل النص حالة ولادة خاصة مستمرة لفكرة مدهشة من رحم أحداث تبدو متباعدة ظاهريًا.

ثم إن كلمة (أُحْبُولَة) تأتي على وزن (أُفْعُولَة)، وهو وزن صرفي يُستخدم للدلالة على الآلة المعقدة، أو الفعل الذي يبلغ شأنًا عظيما من الغرابة كأسطورة وأعجوبة وألعوبة. هذا الوزن الإيقاعي يمنح الكلمة جرسًا موسيقيًا متفردًا، ويضيف لمضمون الكلمة وصفًا لكل ما يقع في البرزخ، ولكل المآلات التي تتداخل بحركة أفعوانية؛ لهذا كانت الأحبولة تستدرج القارئ إلى البرزخ بطريقةٍ غريبة؛ شرطها ابتلاع الهوية السابقة حتى يتفتّت في داخل الجسد، ثم أخذ الشهيق الطويل والعميق حتى يتكوّن الزفيرُ كله من مادة الهوية السابقة، فإذا خرج ما يُظن أنه الهوية استعدّ الجسد لتلقي جنس (الأحبولة) بجمله المتوالدة التي تتناسل من بعضها في بناءٍ غير عرضي؛ لتُدخِل القارئ في جو مفهومي يتراكم تدريجيا وبطريقةٍ شبه خفية، حتى إذا ما استأنس للنص وظنَّ أنه أحاط بحدوده واطمأن لمساره، سحبته الأحبولةُ ببراعةٍ وخفة نحو مفارقة مدهشة لم تكن في الحسبان، ليكتشف في نهاية المطاف أن تلك الحقائق التي كان يتابعها باهتمام لم تكن سوى الطُعم الذي اقتاده إلى شباك رؤية جديدة تخلط أوراقه وتعيد ترتيب فهمه للأشياء دون أن يشعر متى وقع في الفخ وكيف؟ لكن المهم أنه يستطيع أن ينطق: «في أمان الله».

التفاتة:

في البرزخ يُكتب كل شيء ويُمحى.