بهذه الحكاية البسيطة والعميقة، صاغ الأديب الروسي العظيم ليو تولستوي واحدة من أشهر قصصه، «كم يحتاج الإنسان من الأرض؟»، التي نشرها عام 1886، لتصبح واحدة من أكثر النصوص الأدبية قدرة على فضح جشع الإنسان وكشف الثمن الذي يدفعه وهو يطارد ما لا نهاية له.
ولد تولستوي عام 1828 في أسرة أرستقراطية عريقة، لكنه عرف اليتم مبكرًا بعد وفاة والديه، فتولى عدد من المعلمين تربيته وتعليمه. التحق بكلية الحقوق، غير أن الدراسة النظامية لم تستطع أن تحتجز فضوله، فترك الجامعة قبل التخرج، وكرّس وقته لقراءة كبار الأدباء الإنجليز، مثل ستيرن وديكنز، والفلاسفة الفرنسيين، وفي مقدمتهم فولتير وروسو، الذين تركوا أثرًا بالغًا في تكوينه الفكري.
وبعد مغادرته الجامعة، عاش سنوات من الترحال والترف، مستفيدًا من مكانته الاجتماعية وثروة عائلته. ولم يقطع هذه الحياة سوى مشاركته القصيرة في حرب القرم، التي غيّرت كثيرًا من نظرته إلى العالم. وعندما عاد، سافر إلى باريس، حيث أنفق جانبًا كبيرًا من أمواله، ثم رجع إلى ضيعته حاملاً حلمًا جديدًا يتمثل في إنشاء مدرسة لأبناء الفلاحين العاملين في أراضيه.
هناك بدأت ملامح تحوله الفكري تتشكل بوضوح. فلم يعد اهتمامه مقتصرًا على التعليم، بل امتد إلى الدين والسياسة والأخلاق، ليقترب تدريجيًا من رؤية روحية تدعو إلى اللاعنف، وتؤمن بأن الإنسان يحتاج فقط إلى ضمير حي. وفي تلك الفترة، وبمساندة زوجته صوفيا أندرييفنا، أنجز أعظم أعماله الأدبية، مثل «الحرب والسلام» و«آنا كارينينا» و«موت إيفان إيليتش»، وهي الأعمال التي رسخت اسمه بين أعظم روائيي العالم.
لكن النجاح الأدبي لم يجلب له الطمأنينة. على العكس، قاده إلى أزمة وجودية عميقة دفعته إلى مراجعة حياته كلها. حيث صاغ فلسفة عُرفت لاحقًا بـ«المسيحية اللاسلطوية»، تقوم على المحبة المطلقة، واللاعنف، ورفض إدانة الآخرين.
تأثر تولستوي كذلك بأفكار هنري ديفيد ثورو حول العصيان المدني، وكتب رسالته الشهيرة إلى أحد المفكرين الهنود، لتبدأ بعدها مراسلاته مع المهاتما غاندي، التي كان لها أثر بارز في بلورة فلسفة المقاومة السلمية التي اشتهر بها الزعيم الهندي لاحقًا.
غير أن حياة تولستوي لم تكن خالية من المفارقات. ففي الوقت الذي كان يدعو فيه إلى الزهد، ويرى أن الأرض لا ينبغي أن تكون ملكًا لأحد، كان هو نفسه يواصل شراء الأراضي وتوسيع ممتلكاته. وخلال أقل من ثلاثة عقود، استثمر عشرات الآلاف من الروبلات في اقتناء مساحات شاسعة تضاعفت قيمتها مرات عديدة. كان يعيش التناقض ذاته الذي سيضعه لاحقًا في قلب قصته الشهيرة، وكأنه يحاكم نفسه قبل أن يحاكم الآخرين.
في «كم يحتاج الإنسان من الأرض؟» لا يبدو باهوم مجرد فلاح طماع، بل مرآة تعكس صراعًا عاشه مؤلفه في أعماقه. ومن خلال هذا البطل، يصور تولستوي الجشع باعتباره أحد أخطر الإغراءات التي تدفع الإنسان إلى فقدان إنسانيته وهو يظن أنه يقترب من السعادة.
ينتقل باهوم إلى منطقة باشكيريا، حيث يعيش قوم رحّل اشتهروا بكرمهم وبساطة حياتهم، وهي المنطقة نفسها التي اقتنى فيها تولستوي بعض أراضيه، ولذلك تبدو أحداث القصة أقرب إلى اعتراف أدبي منها إلى مجرد خيال.
يعرض زعماء القبيلة على باهوم صفقة مغرية؛ فمقابل ألف روبل فقط، سيحصل على كل الأرض التي يستطيع أن يطوف حولها سيرًا على الأقدام خلال يوم واحد، شرط أن يعود إلى نقطة البداية قبل غروب الشمس.
في البداية، بدا الأمر فرصة لا تُعوّض، لكن الطمع لا يعرف حدودًا. وكلما تقدم باهوم في رحلته، رأى أن ما جمعه لا يكفي، فواصل السير، ثم واصل، حتى ابتعد كثيرًا عن نقطة الانطلاق. وعندما أدرك أن الشمس أوشكت على المغيب، انطلق يعدو بكل ما بقي لديه من قوة. كان يركض لا لينجو بحياته، بل لينقذ حلمه في امتلاك المزيد.
وقبيل غروب الشمس، وصل أخيرًا إلى المكان المحدد، منهكًا يكاد يزحف. وما إن بلغ خط النهاية حتى خرّ على الأرض ميتًا.
عندها جاءت خاتمة القصة، الصادمة في بساطتها، لتجيب عن السؤال الذي حملته في عنوانها: لم يكن الإنسان يحتاج من الأرض سوى مساحة قبرٍ يوارى فيها جسده.
يبدو أن كتابة هذه القصة كانت، بالنسبة إلى تولستوي، محاولة لمواجهة تناقضاته الشخصية. فقد ازداد ميله في سنواته الأخيرة إلى الزهد، واعتنق حياة أقرب إلى التقشف، ودافع عن النباتية والعودة إلى الطبيعة، إلا أنه ظل يعيش في قصره الكبير، محاطًا بأراضيه ومظاهر الثراء التي طالما انتقدها.
وفي محاولة أخيرة للتصالح مع مبادئه، غادر منزله سرًا برفقة ابنته ألكسندرا، التي كانت الأقرب إلى أفكاره. كان يريد أن يبدأ حياة جديدة بعيدًا عن كل ما يثقله، لكن الرحلة لم تكتمل؛ إذ أصيب بالتهاب رئوي، ورحل بعدها بأيام قليلة.
كانت رحلة تولستوي الأخيرة تسير في الاتجاه المعاكس تمامًا لرحلة باهوم؛ فالأول هرب من ثقل الممتلكات، بينما ظل الثاني يطاردها حتى لفظ أنفاسه الأخيرة. ومع ذلك، جمع بين الرجلين مصير واحد:
أن الإنسان، مهما طال طريقه، لا يستطيع أن يحمل معه من هذه الدنيا سوى ما يتسع له قبره.