الفلسفة اليونانية الأوروبية تقوم على مبدأ عام يفصل فصلا حادا بين المعرفة العقلية والمعرفة الحسية، لدى الفلاسفة اعتقاد بوجود كيانات وعوالم لا يمكن للحواس ملاحظتها أو اختبارها، أي أن العقل البشري قادر على الوصول إلى حقائق عن الوجود بمجرد التأمل، وجانب الخرافة في هذا التأمل العقلي أنه يضع العقل ووفي مقابل الحواس.
في المقابل يبدو العقل الفقهي أقرب معرفيا للعلم لأنه عقل إجرائي عملي يتعامل مع واقع الناس اليومي ولا يجلس في برج عاجي ليتأمل الناس، بل ينزل إلى الأرض ليجيب عن أسئلة الواقع المحسوس دون أن يفترض وجود عالمين منفصلين أحدهما عقلي والآخر حسي. العقل الفقهي لا يعطي نفسه الحق في إنتاج المعرفة دون الرجوع للواقع المحسوس، فالعقل الفقهي يشتغل داخل دائرة القياس الذي يقوم على أربعة أركان (أصل، فرع، حكم، علة) وهو النسخة الفقهية الموازية للبحث العلمي عن القوانين السببية.
العقل الفقهي يبحث عن العلة (السبب الحقيقي للحكم) مثل تحريم الخمر لعلة «الإسكار» فإذا وجدت هذه العلة في أي مادة طبق عليها نفس الحكم. والعلة عند الفقهاء موجودة ضمنيا في منهج العلم الحديث، مثلا الغاز يتمدد بالحرارة والمعادن تتمدد أيضا بالحرارة، فالعلة المشتركة هي زيادة الطاقة الحركية للجزيئات بفعل الحرارة. فالعقل الفقهي ومنهج العلم الحديث يشتغلان على الوقائع والظواهر دون أن يفترضان وجود عالمين منفصلين. والمقارنة هنا ليست شكلية بل تقوم على تشابه في البنية المنهجية. فكلاهما يبحث عن علاقة منتظمة تسمح بتعميم الحكم على أي حالات أو ظواهر جديدة.
الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت مؤسس الفلسفة الحديثة الذي يطلق عليه لقب (أبو الفلسفة الحديثة) بمعنى أن الفلسفة اليونانية القديمة ظلت تحمل مضامين الفلسفة الأوروبية الحديثة نفسها، ديكارت نفسه قام مشروعه الفلسفي على الشك في الحواس واعتقد أنها ليست مصدرا يقينا لأنها قد تخدعنا أحيانا، بالتالي قام ديكارت بتأسيس منهجه على مبدأ «الشك في الحواس» وجعله نقطة انطلاق لبناء المعرفة.
وحسب ديكارت، اليقين لا يؤسس على الإدراك الحسي بل على العقل الخالص، وهنا يكمن جانب الخرافة في الفلسفة الحديثة التي استمرت في إعادة تدوير الخرافة القديمة التي تؤمن بوجود «عالم مُثُل» يوازي العالم المادي الذي ندركه بحواسنا، ويمكن الوصول لحقيقته المطلقة بواسطة التأمل العقلي المجرد.
العقل عند الفلاسفة يدعي الوصول لحقائق عن الوجود بمجرد التأمل العقلي المستقل، بعكس العقل عند الفقهاء الذي يعمل داخل منظومة من الأدلة والقواعد، فهو لا يمنح العقل قدرة على تجاوز التجربة الحسية ولا يبتكر الأحكام بل ينظر للأدلة ثم ينظر للواقع المعاش ويستخرج العلة ويجري القياس. العقل الفقهي ينطلق من حالات ووقائع ويبحث عن انتظام يسمح بالتعميم، بالتالي يمكن القول: إن العقل الفقهي أقرب للمنهج العلمي الحديث من العقل الفلسفي.