نايف المحمدي

نايف المحمدي

تروى في كتب الأدب قصة عن عمرو بن معد يكرب، الفارس العربي الشهير، وصاحب السيف المعروف بالصمصامة، فقد بلغ عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، من خبر هذا السيف ما بلغ، فطلب من عمرو أن يبعث إليه به، فأرسل عمرو السيف كما طُلب منه، فلما جُرّب السيف لم يظهر منه ما كان يُروى عن قوته وصرامته، فجاء رد عمرو بن معد يكرب بكلمة بقيت أبلغ من السيف نفسه: إنما بعثت إلى أمير المؤمنين بالسيف، ولم أبعث بالساعد الذي يضرب به.

وعندما نتأمل في رد عمرو بن معد يكرب رغم بساطته إلاّ أنه يحمل حكمة عميقة ما زالت حاضرةً بعد أكثر من 1400 عام، وتنطبق اليوم بدقة على أكبر تحول تقني يعيشه العالم، وهو الذكاء الصناعي (AI).

إن من يجرب أدوات الذكاء الاصطناعي اليوم، في العمل أو إدارة الأعمال أو حتى الدراسة، غالبًا ما يبدأ بسؤال عابر، فيحصل على إجابة عامة لا تلبي حاجته، فيخرج بحكم سريع بأن الأداة لا ترقى إلى ما يُقال عنها، وإن كان السيف مهما بلغت جودته لا يضرب وحده، والذكاء الاصطناعي مهما عظمت قدرته لا ينتج قيمة من تلقاء نفسه، فهو أداة قوية بلا شك، لكنها تنتظر ساعدًا يعرف كيف يُمسك بها وأين يوجهها، وهذا الساعد في عصرنا الحالي يتمثل في مهارة وهي هندسة الأوامر (Prompt Engineering) أو هندسة الطلب والسياق.

يقول المتنبي في مدح كافور الإخشيدي:

إذا ضربتْ في الحربِ بالسيفِ كفُّهُ تبيّنتَ أنَّ السيفَ بالكفِّ يَضـــــرِبُ

الذكاء الاصطناعي لا يقرأ نية صاحبه، ولا يعرف خلفية العمل ما لم تُشرح له، ولا يملك سياق المشروع ما لم يُزوّد به، ولا يستطيع أن يميز دائمًا بين ما هو مهم وما هو هامشي إذا جاءه الطلب عاما ومبتورا. لذلك، فالفرق بين نتيجة سطحية ونتيجة نافعة لا تأتي من الأداة فقط، ولكن يصنعه المستخدم الذي يعرف ماذا يريد، وكيف يطلبه، وكيف يراجع الناتج، ومتى يقبل، ومتى يعيد التوجيه.

قوة الذكاء الاصطناعي لا تكفي وحدها، القيمة تظهر عندما تقترن بخبرة المستخدم، وحسن صياغته، وقدرته على مراجعة الناتج وربطه بواقع العمل.

هذه المهارة لا تعني حفظ جُمل جاهزة ونسخها عند الحاجة، لكن معناها الأفضل أن يعرف المستخدم كيف يحوّل حاجته إلى أمر واضح، وكيف يشرح للأداة خلفية المشروع، والهدف، والجمهور، والقيود، والنتيجة المطلوبة، ثم يراجع الناتج بعقله وخبرته قبل أن يبني عليه قرارًا أو إجراءً.

وهذا الإبهار الذي نشاهده بين حين وآخر في مخرجات أدوات ومنصات الذكاء الاصطناعي لا يعني التسليم الكامل لكل ما تنتجه الأداة، فالذكاء الاصطناعي يساعد في الترتيب والتحليل والاقتراح، لكنه لا يغني عن المحامي في المسائل القانونية الدقيقة، ولا عن المحاسب في الأرقام المالية، ولا عن المستشار المتخصص في القرارات المهمة، ولا عن عقل صاحب المشروع الذي يعرف واقعه أكثر من أي أداة.

ولهذا، فإن المستخدم الذكي لا يتعامل مع الذكاء الاصطناعي وكأنه موظف يعرف كل شيء، ولا كأنه خبير نهائي لا يخطئ، يتعامل معه كأداة قوية تختصر الوقت، وتفتح زوايا جديدة للتفكير.

وقد طالعتنا الصحف ما دار في معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026، حين أثارت إحدى الروايات الحديثة جدلًا بعد أن بقيت داخل النص عبارات من ردود أداة الذكاء الاصطناعي على تعليمات الكاتب، وهنا يتبين أن الذكاء الاصطناعي يساعد في الصياغة أو يفتح زاوية مختلفة للتفكير، أما المراجعة والحكم النهائي فتبقى مسؤولية الإنسان

وحتى عندما يخرج المخرج النهائي من الذكاء الاصطناعي مكتملا، فإن قيمته تضعف إذا جاء هشًا وركيكًا، خاليًا من بصمة صاحبه وخبرته وطريقته في التفكير، فالمحتوى الذي لا يحمل روح صاحبه يفقد أثره سريعًا، ويخفت بريقه.

وفي عالم الأعمال، لا يصنع الفارق امتلاك الموارد الأكبر دائمًا، وإنما يصنعه حُسن استخدام الأدوات المتاحة، فقد تكون الأداة نفسها متاحة للجميع، غير أن أثرها يختلف من شخص إلى آخر بحسب وضوح الفكرة، ودقة السؤال، وجودة المراجعة، والقدرة على تحويل الناتج إلى عمل.

الذكاء الاصطناعي هو صمصامة هذا العصر، قوته كبيرة، وفرصته واسعة، لكنه ينتظر مستخدمًا أذكى منه يعرف كيف يستخدمه، من يدخل إليه بسؤال عابر سيخرج بنتيجة عابرة، ومن يدخل إليه بعقل واضح وسياق دقيق سيجد أداة قادرة على مساعدته في فهم مشروعه، وتنظيم عمله، وتحسين قراراته.