طارق بن حزام

خرج من المجلس وهو مقتنع بأن الحديث توقف لحظة دخوله، وأن النظرات التي تبادلها الجالسون كانت تعنيه وحده. عاد إلى منزله غاضبًا، وأغلق هاتفه، وقرر ألا يزورهم مرة أخرى. وبعد أيام علم أن الجميع كانوا يناقشون مشكلة تخص أحد الأقارب، ولم يكن حاضرًا في أذهانهم أصلًا. لكن الوهم كان قد سبق الحقيقة، وبنى عليها موقفًا كاد أن يهدم سنواتٍ من المودة. هذه الصورة تكشف جانبًا دقيقًا من بعض الاضطرابات النفسية؛ إذ لا تكمن المشكلة في الفكرة الخاطئة، بل في اليقين المطلق بها. فالمصاب لا يشعر أنه يسيء الفهم، بل يعتقد أنه يرى الواقع كما هو، فيفسر الصمت تجاهلًا، والنصيحة إساءة، والاختلاف عداوة، ويقتنع بأن الآخرين يتعمدون إيذاءه، بينما تلك القناعة وليدة الاضطراب لا الواقع. ومع العلاج والمتابعة يبدأ الضباب بالانقشاع، ويستعيد الإنسان قدرته على رؤية الأمور بوضوح.

وتأتي مرحلة الاستبصار، فيكتشف أن كثيرًا من شكوكه لم تكن حقيقة، وأن أشخاصًا ظنهم خصومًا كانوا من أكثر الناس حرصًا عليه، وأن معركته لم تكن مع الآخرين، بل مع إدراكٍ خانه مؤقتًا.

ولا يكتمل التعافي بالدواء وحده، بل يحتاج إلى الوعي بطبيعة الحالة، وصبرٍ على رحلة العلاج، ودعمٍ من الأسرة والمجتمع بعيدًا عن الوصمة والأحكام المسبقة. فالاضطرابات النفسية حالات صحية تستحق الفهم والرعاية.

أخطر ما في بعض الاضطرابات النفسية أنها لا تزرع فكرةً خاطئة فحسب، بل تمنح صاحبها يقينًا يصعب عليه التشكيك فيه. ولذلك فإن طلب المساعدة ليس ضعفًا، بل خطوة تحمي الإنسان من خسارة علاقاته واتخاذ قرارات قد يندم عليها لاحقًا.

فبين الوهم والحقيقة يقف العلاج جسرًا يعيد للإنسان وضوح الرؤية، ويمنحه فرصةً جديدة للتصالح مع نفسه ومع الآخرين.