أبها: حسين معشي

اليمن يقترب من مفترق طرق خطير، بين تصعيد ميداني متسارع في البحر الأحمر ومحاولات دبلوماسية متعثرة لاحتواء الانزلاق نحو مواجهة شاملة، فيما تحذر صنعاء الرسمية من أن جماعة الحوثي تسعى إلى استنساخ النموذج الإيراني في مضيق هرمز وتطبيقه على باب المندب، في وقت تتوسع فيه رقعة النيران من الجو إلى البر ثم البحر، وسط تباين حاد في موازين القوى العسكرية بين المعسكرين وتقديرات متضاربة حول مآلات الأزمة في الأسابيع المقبلة.

تحذير صنعاء

اتهمت وزيرة الخارجية اليمنية المكلفة أفراح الزوبة جماعة الحوثي بالسعي لفرض واقع مشابه لما تنتهجه إيران في مضيق هرمز، عبر تهديد الملاحة في باب المندب، معتبرة أن الجماعة باتت أكثر جرأة نتيجة غياب رد فعل دولي حازم تجاه هجماتها البحرية. وأكدت الوزيرة تمسك حكومتها بالحل السلمي مع الاستعداد للتصعيد إذا واصل الحوثيون توسيع عملياتهم العسكرية، مشيرة إلى استمرار تبادل إطلاق النار على خطوط المواجهة رغم غياب أي محادثات مباشرة بين الطرفين حاليا، في ظل استمرار الوساطة العمانية بينهما. وكشفت الزوبة عن سعي الحوثيين إلى تسيير رحلات جوية مباشرة من إيران لتعويض النقص في التمويل والدعم العسكري، في إشارة إلى استمرار العلاقة بين الجماعة وطهران، فيما تنفذ الحكومة اليمنية إجراءات أمنية لحماية صادرات النفط من أي استهداف محتمل.

شرارة التصعيد

اشتعل التوتر فجأة نهاية يونيو الماضي عقب إعلان الحوثيين النفير تحت لافتة إنهاء الحصار، ليتطور المشهد بتسيير شركة ماهان الإيرانية رحلتين جويتين في الثالث والثالث عشر من يوليو الجاري إلى مناطق سيطرة الجماعة، فيما مُنعت رحلة ثالثة من دخول الأجواء اليمنية. وبينما وصلت الرحلة الأولى إلى مطار صنعاء، اضطرت الثانية للهبوط في الحديدة بعد قصف وزارة الدفاع اليمنية للمطار، وهو ما اتهم الحوثيون الرياض بتنفيذه، فردوا بمحاولة استهداف مطار أبها. وتصاعد الموقف مع إعلان الحوثيين حظر الملاحة على السعودية وتهديد سفنها، ليرد تحالف دعم الشرعية بقصف مواقع عسكرية في الحديدة، بينما أعلن الحوثيون استهداف منشآت أرامكو في جازان وينبع، بالتوازي مع غارات على تعزيزاتهم في مأرب والجوف.

3 مسارات

ويرى محللون سياسيون أن الأزمة اليمنية ترسم 3 سيناريوهات محتملة، أولها استمرار التصعيد المحسوب والحذر مع محاولة كل طرف إثبات نقاط قوته، وقد يقود هذا المسار إلى المسار الثاني المتمثل في نجاح جهود الوساطة المتعثرة في بلورة تسوية مقبولة للطرفين. أما الاحتمال الثالث فيتمثل في الانزلاق نحو مواجهة شاملة تعيد رسم خطوط السيطرة الميدانية في اليمن، وهو خيار يحمل مخاطر توسع النيران خارج الجغرافيا اليمنية نظرا لتشابك الملف مع أطراف إقليمية ودولية متعددة.

ميزان القوى

تنتشر قوات الجيش اليمني الحكومي ضمن سبع مناطق عسكرية بقوام رسمي يقارب 440 ألف ضابط وجندي، إلى جانب تشكيلات أخرى نشأت خلال سنوات الحرب أبرزها درع الوطن والعمالقة والطوارئ اليمنية والمقاومة الوطنية، إضافة إلى قوات المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل التي أعيدت هيكلتها، وتقدر مصادر إعلامية يمنية قوامها الإجمالي بأكثر من 200 ألف عسكري خارج إطار الجيش النظامي. وتمتلك هذه القوات أسلحة متفاوتة الثقل إلى جانب الدبابات والمدفعية والطيران المسيّر، وقد أعلنت القوات الجوية اليمنية مؤخرا تأهيل مقاتلات حربية ونفذت ضربات هي الأولى منذ اندلاع الصراع، فيما تحظى القوات الحكومية بدعم جوي من تحالف دعم الشرعية بقيادة الرياض. في المقابل، تقدر مصادر عسكرية يمنية قوام التشكيلات الحوثية بنحو 30 ألف مقاتل نظامي، إضافة إلى ما يسمى قوات التعبئة التي تحدث زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي عن تجاوز عديدها مليون شخص خضعوا لتدريبات، مع تطور ملحوظ في قدرات الصواريخ والطائرات والزوارق المسيّرة التي استُخدمت في هجمات طالت البحر الأحمر والسعودية والإمارات وإسرائيل.

قلق شعبي وأوبئة

يتصاعد القلق في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الحوثيين مع عودة التصعيد في البحر الأحمر وباب المندب وتحركات الجبهات الداخلية، إذ يخشى كثير من السكان أن تنسف هذه التطورات ما تبقى من فرص التهدئة وسط أزمات معيشية واقتصادية أنهكت الملايين. ويحمّل سكان العاصمة الجماعة الحوثية مسؤولية التصعيد الأخير، مؤكدين أن أولوية اليمنيين باتت إنهاء الصراع وتحسين الأوضاع المعيشية لا خوض حروب جديدة، ومعتبرين أن تحركات الجماعة تعكس حسابات إقليمية أكثر من ارتباطها بالمصلحة الوطنية، وسط تحذيرات من انزلاق البلاد مجددا نحو مواجهة مفتوحة تعيق أي مسار نحو الاستقرار.

في المقابل، حذرت منظمة الصحة العالمية من استمرار تعرض اليمن لموجات متكررة من الكوليرا والحصبة وأمراض معدية أخرى، في ظل هشاشة النظام الصحي واتساع الاحتياجات الإنسانية، مشيرة إلى أن التمويل عبر الصندوق الإنساني لليمن أسهم في تعزيز قدرات الاستجابة والحد من انتشار الأوبئة وتوسيع الخدمات الصحية المنقذة للحياة في عدد من المحافظات.