محمد بن أحمد المقصودي

لم يعد النقاش المتعلق بالملف الإيراني في البيئة الخليجية نقاشًا سياسيًا تقليديًا يمكن اختزاله في حدود التنافس الإقليمي أو الخلافات الثنائية بين الدول، بل أصبح ملفًا مركبًا تتداخل فيه الأبعاد السياسية والقانونية والأمنية والاجتماعية والفكرية، وتتشابك فيه اعتبارات السيادة الوطنية مع متطلبات الاستقرار الإقليمي ومبادئ القانون الدولي. ولذلك فإن النظر إلى المسألة من زاوية الأذرع الإقليمية وحدها قد يختصر المشهد أكثر مما يفسره، لأن جوهر الإشكالية بالنسبة لدول الخليج لم يكن في وجود إيران كدولة مجاورة تربطها الجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة، وإنما في طبيعة بعض السياسات المرتبطة بالتمدد غير المباشر، واستخدام الفاعلين غير الحكوميين، وتوظيف شبكات النفوذ السياسية أو العسكرية أو الأيديولوجية خارج الأطر الرسمية للدول.

وقد أفرزت التجارب الإقليمية خلال العقود الماضية واقعًا جديدًا لم تعد فيه الحروب تعتمد فقط على الجيوش النظامية أو خطوط المواجهة التقليدية، بل ظهرت أنماط أكثر تعقيدًا تعتمد على الوكلاء المحليين، والتأثير الإعلامي، والاستقطاب الفكري، والحرب السيبرانية، والتأثير الاقتصادي، وإعادة تشكيل البيئات الاجتماعية بما يحقق أهدافًا إستراتيجية بعيدة المدى، وهو ما جعل مفهوم الأمن الوطني نفسه يتغير من مجرد حماية الحدود إلى حماية الدولة بمؤسساتها وهويتها واقتصادها ونسيجها الاجتماعي.

ومن جانب القانون الدولي فإن المجتمع الدولي وضع منذ عقود مجموعة من القواعد التي تنظم العلاقات بين الدول وتمنع الانزلاق نحو الفوضى والصراعات المفتوحة، وفي مقدمة تلك القواعد احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية وحظر استخدام القوة أو التهديد بها، وهي قواعد لم تعد مجرد مبادئ سياسية بل أصبحت جزءًا من النظام القانوني الدولي المعاصر، ولذلك فإن أي دعم مباشر أو غير مباشر لجماعات مسلحة عابرة للحدود أو أي محاولة للتأثير في استقلال القرار الوطني للدول يثير تساؤلات قانونية تتعلق بالمسؤولية الدولية متى توافرت الأدلة والقرائن الكافية لإثبات الصلة والنتائج المترتبة على ذلك.

وبالتحليل الإستراتيجي الواعي نجد أن التحدي الحقيقي أمام دول الخليج لا يتمثل فقط في توصيف الأخطار أو تحديد مصادرها، بل في كيفية بناء منظومة ردع متكاملة تجعل من البيئة الخليجية أقل قابلية للاختراق وأكثر قدرة على امتصاص الأزمات والتعامل مع التحولات المتسارعة، لأن الاعتماد المطلق على التحالفات الخارجية أثبت تاريخيًا أنه لا يشكل ضمانة دائمة، فمصالح الدول الكبرى متغيرة، وتحالفات الأمس قد لا تبقى على صورتها في الغد، بينما تبقى قدرة الدولة على حماية نفسها وصناعة توازنها الذاتي هي الضمانة الأكثر استقرارًا واستدامة.

الردع الذاتي الذي تحتاجه دول الخليج لا يعني تبني خطاب الحرب أو صناعة الصدام المستمر، بل يعني بناء منظومة شاملة تجعل كلفة أي تهديد أعلى من المكاسب المتوقعة منه، وهو مفهوم يرتكز على مزيج من القوة العسكرية والمرونة السياسية والحصانة القانونية والاستقرار الاجتماعي، بحيث تتحول الدولة من موقع رد الفعل إلى موقع المبادرة والجاهزية.

وفي الجانب العسكري لم تعد المسألة مرتبطة بحجم القوات أو عدد الأسلحة بقدر ارتباطها بقدرات التكامل والتنسيق والإنذار المبكر والتفوق التقني، لأن الحروب الحديثة لم تعد تبدأ بعبور الحدود أو تحريك المدرعات، بل قد تبدأ بطائرة مسيرة صغيرة أو هجوم إلكتروني يستهدف البنية التحتية أو تعطيل الملاحة أو استهداف المنشآت الحيوية، ولذلك يصبح من الضروري تطوير منظومات الدفاع الجوي والصاروخي المشتركة، وتعزيز الأمن السيبراني، وتوحيد قواعد تبادل المعلومات، وتأمين الممرات البحرية والمنشآت الاقتصادية التي تمثل العمود الفقري لاستقرار المنطقة.

وفي المقابل فإن الردع القانوني لا يقل أهمية عن الردع العسكري، بل ربما أصبح أكثر تأثيرًا في عالم اليوم، لأن كثيرًا من الصراعات الحديثة تتحرك عبر التمويل غير المشروع والشبكات العابرة للحدود والواجهات الاقتصادية والإعلامية، الأمر الذي يستوجب بناء أطر قانونية خليجية موحدة تعزز من مكافحة غسل الأموال وتمويل الأنشطة غير المشروعة، وتطور أدوات التتبع المالي والتعاون القضائي والأمني، وتؤسس لقاعدة تشريعية قادرة على حماية الأمن الوطني دون الإخلال بالضمانات القانونية والحقوق الأساسية.

وبالمثل يجد النخبوي أن الأمن الفكري بات يشكل خط الدفاع الأول قبل الحدود والسلاح، لأن النفوذ المعاصر لا يدخل دائمًا من البوابات العسكرية، بل قد يدخل عبر الخطاب الإعلامي، أو الاستقطاب المذهبي، أو صناعة الانقسامات الاجتماعية، أو إعادة تشكيل الوعي العام بما يخدم مشاريع سياسية خارجية، ولذلك فإن تعزيز الأمن الفكري لا ينبغي فهمه باعتباره مواجهة للرأي المختلف أو تقييدًا للحريات العامة، بل باعتباره مشروعًا وطنيًا لحماية الهوية الجامعة وتعزيز قيم المواطنة والانتماء وترسيخ ثقافة الحوار والوعي النقدي والقدرة على التمييز بين التعدد المشروع ومحاولات التوظيف السياسي للانقسامات.

ومن الجانب الاجتماعي فإن المجتمعات المتماسكة أقل عرضة للاختراق وأكثر قدرة على مقاومة محاولات الاستقطاب، ولهذا فإن الاستثمار في التعليم والثقافة والإعلام المسؤول والتنمية الاقتصادية لا يعد شأنًا خدميًا فحسب، بل يمثل جزءًا أصيلًا من منظومة الأمن الوطني، لأن المواطن الواعي والمجتمع المستقر يشكلان في النهاية الحصن الأول ضد أي مشروع خارجي يسعى إلى إيجاد بيئات هشّة قابلة للتأثير أو التوجيه.

أما اقتصاديًا فإن دول الخليج تمتلك عناصر قوة كبيرة، إلا أن التحديات الإقليمية تفرض الانتقال من مفهوم الوفرة إلى مفهوم المناعة الاقتصادية، وذلك عبر تنويع مصادر الدخل، وتوسيع سلاسل الإمداد، وتعزيز الصناعات الإستراتيجية، ورفع مستوى الاكتفاء في القطاعات الحيوية، لأن الدولة القوية اقتصاديًا تصبح أقل تعرضًا للابتزاز السياسي وأكثر قدرة على إدارة الأزمات والضغوط الإقليمية.

وفي المجال الدبلوماسي لا ينبغي النظر إلى الردع بوصفه نقيضًا للحوار، فالتاريخ السياسي يؤكد أن الدول الأكثر قدرة على الحوار هي غالبًا الدول الأكثر امتلاكًا لأدوات القوة، وأن الدبلوماسية الناجحة لا تقوم على التنازل المستمر ولا على التصعيد الدائم، وإنما على إدارة المصالح وتقليل المخاطر ومنع الانفجار مع الاحتفاظ بعناصر الردع اللازمة لحماية السيادة الوطنية.

كما ينبغي التنبيه إلى أهمية الدقة في توصيف المشهد الإقليمي، لأن تحويل كل اختلاف سياسي أو فكري أو اجتماعي إلى امتداد خارجي قد يضر بالتحليل أكثر مما يفيده، وقد يؤدي إلى الخلط بين الاختلاف الداخلي الإيجابي وبين الارتباطات العابرة للحدود، ولذلك فإن المعيار الصحيح يجب أن يكون قائمًا على الوقائع والأدلة والسلوك الفعلي وليس على التصنيفات العامة أو الأحكام المسبقة، فالدقة هنا ليست مطلبًا أكاديميًا فقط، بل ضرورة أمنية وقانونية وسياسية.

منطقة الخليج لا تحتاج إلى حالة عداء دائم مع إيران، كما أنها لا تستطيع القبول بفراغ أمني يسمح بإعادة إنتاج أدوات النفوذ غير المباشر أو فرض الوقائع السياسية بالقوة أو التهديد، ولذلك تبدو المعادلة الأكثر اتزانًا قائمة على السلام مع الجاهزية، والانفتاح مع الحذر، والحوار مع امتلاك القدرة على الردع، وهي معادلة لا تستهدف التصعيد بقدر ما تستهدف حماية الاستقرار ومنع الانزلاق نحو صراعات مفتوحة يدفع الجميع ثمنها.

وفي الختام الحتمي والمنطقي، فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن تطرحه دول الخليج ليس كيف تواجه الأذرع الإقليمية، بل كيف تبني مناعة وطنية وإقليمية تجعل أي مشروع خارجي عاجزًا عن إيجاد بيئة خصبة يتحرك من خلالها، لأن الردع الحقيقي لا يبدأ عند الحدود فقط، بل يبدأ من القانون، ويمر عبر المجتمع، ويتعزز بالاقتصاد، ويحتمي بالوعي، ويكتمل بالدولة القادرة على حماية سيادتها وصناعة توازنها بنفسها، وعندما تتحقق هذه المعادلة يصبح الاستقرار خيارًا وطنيًا لا منحة خارجية، وتتحول القوة من رد فعل مؤقت إلى مشروع إستراتيجي طويل المدى يحفظ المنطقة ويصون مصالحها ويمنحها القدرة على مواجهة المستقبل بثقة واتزان.