كاملة طرشي الصغير

النجاح والتألق والسطوع تحتاجها معًا، تتحرك في حياتك منذُ اللحظة الأولى للصحو حتى آخر لحظة قبل النوم وأنت تدور في دوائر كثيرة، وفي الوقت نفسه مضامينها قوية وعميقة وليست سطحية، الإنجازات الضخمة التي تمتد عبر مئات السنين وهي ما زالت باقية بالقوة والبريق والسطوع نفسه الذي ظهرت به أول مرة. اجتمع في صاحبها ومبدعها أدوات الكم والكيف.

على سبيل المثال الجاحظ أبو عثمان عمرو بن بحر ولد في 159 هجرية أي قبل 1289 سنة حتى عام 1448هـ وحتى اليوم لا تزال مؤلفاته تقرأ وتطبع وتُنقح وتُشرح.

وهي بدرجة من الكثرة والعمق نقف مندهشين أمامها وقوف المتأمل وليس وقوف العابر.

فقد وصل عدد إنتاجه الأدبي إلى 360 مؤلفا، بعضها وصلت إلينا بالكامل والبعض وصل ناقصًا، والبعض منها وصل كعناوين فقط، ولا تندهش إذا علمت أنه ألف كتاب البخلاء الشهير، والذي طرق فيه موضوعات لم تُطرق ولم تُتَناول من قبله – لذلك صُنف من رواد الحداثة عند العرب – وهو مفلوج أو في أواخر أيامه، وهي بذلك الكم والغزارة لدرجة أن كل كتاب كان بمفرده أيضًا آخذًا مسار الاهتمام بالكم، فكتاب الحيوان بمفرده على سبيل المثال يتكون من 1600 صفحة، وبالمقابل كانت من حيث الكيف عميقة وقوية وناقلة لفكر، وشعر، وقصص، وأحداث سياسية، حتى أنها أخذت صفة المرجعية في زمن كتابتها.

هو ليس إنسانًا خارقًا ولا استثنائيًا هو فقط اتجه بعقله وقلبه نحو اتجاه واحد، ركز عليه بمستويات عالية من البذل المادي والوقت، وهما أنفس ما يملكه الإنسان، بل إنهما رأس مال الإنسان، فقد كرّس المادة والوقت والجهد لهذا الاتجاه غير آبهٍ بالعائد المادي العاجل ولا بالبريق الاجتماعي.

فيكتور هوغو من مواليد 1802م ولا تزال روايته البؤساء تّطلب إلى اليوم بعد مُضي 140 سنة على مغادرته الحياة، علما أنه اشتهر في فرنسا بالشعر أكثر مما اشتهر كروائي، ومن المفارقات العجيبة أن عدد لوحاته الفنية يربو على أربعة آلاف لوحة، فمن حيث الكيف كان روائيًا وشاعرًا ورسامًا، ومن حيث الكم كان له ذلك الإنتاج الغزير في كل مجال من تلك المجالات.

على سبيل المثال في اتجاه آخر اللغات واللسانيات؛ نندهش إذا علمنا أن مي زيادة أتقنت الفرنسية والإنجليزية والإسبانية والألمانية والإيطالية واللاتينية واليونانية، وليس هذا فحسب بل وصلت لدرجة ترجمة نصوص أدبية من بعض هذه اللغات، وكلنا يعرف ما معنى أن تصل لدرجة العمل على نص أدبي في لغة ما، فذلك يعني العمق في اللغة وليس فقط التحدث والاستماع والكتابة.

إذا يجب أن نركز في منجزاتنا عليهما معًا على الكم والكيف لأنهما يسيران في خطين متوازنين جنبًا إلى جنب للدخول إلى بوابة صناعة المجد.

وقِس على ذلك في كل المجالات الرقمية، الرياضية، العلمية، وغيرها الكثير من مجالات الحياة المتنوعة والغنية.

كارثة إذا أخضعنا هذه الفكرة للماديات والمقتنيات. يملك أسطول سيارات وكلها فخمة! يملك ثلاثة آيفونات وكلها تعمل!

لو تحول التركيز على الكم والكيف في الماديات فقط... لفقد الجميع القيمة الذاتية للإنسان ولفعل بصمة الإنسان الذي يسكننا ويقبع في دواخلنا.