سارة الجحدلي

في الوقت الذي تتجه فيه صناعة المحتوى إلى السرعة والانتشار اللحظي، اختارت صانعة المحتوى مزنة بنت عقاب أن تنطلق من بيئة الصحراء، مستندة إلى علاقتها بالإبل، وإيمانها بأن التراث السعودي لا يزال قادرًا على صناعة محتوى معاصر يصل إلى العالم. وبين الأصالة والتحول الرقمي، تتحدث لـ "الوطن" عن مفهومها للهوية، ولماذا ترى أن الإبل ليست مجرد حيوان ارتبط بالماضي، بل شاهدًا على تاريخ الإنسان في الجزيرة العربية، وعن مسؤولية صناع المحتوى في حفظ الموروث للأجيال القادمة.

- يلاحظ أن الإبل ليست مجرد محور لمحتواك، بل تكاد تكون امتدادًا لهويتك الشخصية.. كيف بدأت هذه العلاقة؟

نشأت في بيت كانت الإبل فيه جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية، وليست شيئًا نراه في المناسبات فقط. منذ طفولتي كنت أرافق الكبار، وأتعلم أسماء الإبل، وأعرف طباعها، وأشاهد كيف تُعامل باحترام وصبر. مع مرور السنوات لم تعد علاقتي بها هواية، بل أصبحت جزءًا من شخصيتي.

الإبل علمتني أن الأشياء العظيمة لا تُبنى بالعجلة، وأن الثقة تُكتسب بالمواقف، وأن الإنسان مهما امتلك من وسائل حديثة يبقى محتاجًا إلى جذوره، لأن من لا يعرف تاريخه يصعب عليه أن يصنع مستقبله.

- يرى البعض أن الإبل اليوم أصبحت مرتبطة بالمسابقات والمزايين أكثر من ارتباطها بحياة الناس، كيف تنظرين إلى هذا التحول؟

المزايين والمهرجانات أسهمت في إعادة تقديم الإبل بصورة تليق بمكانتها، لكنها ليست القصة كاملة.

الإبل كانت شريك الإنسان في السفر، ومصدر رزقه، ووسيلة بقائه في الصحراء. كانت حاضرة في الشعر، والأمثال، والاقتصاد، وحتى في العلاقات الاجتماعية. عندما نفصل الإبل عن هذا التاريخ ونختصرها في الجوائز فقط فإننا نظلمها ونظلم الإرث الذي تمثله.

أنا أؤمن أن المحافظة على الإبل تبدأ بالمحافظة على المعرفة المرتبطة بها؛ أسماء السلالات، وطرق تربيتها، والمفردات التي استخدمها الآباء والأجداد، لأن هذه التفاصيل هي التي تشكل هويتنا الثقافية.

- كيف استطعتِ تحويل هذا الإرث إلى محتوى يجذب الشباب؟

لم أحاول أن أغيّر التراث، بل حاولت أن أغيّر طريقة تقديمه.

الشباب لا يرفضون التراث، وإنما يرفضون الأسلوب التقليدي في عرضه. عندما نقدم المعلومة بقصة، ونصور الحياة كما هي، وننقل المشاعر قبل الصورة، يصبح التراث قريبًا منهم.

أنا لا أصنع مشاهد تمثيلية، بل أنقل يومًا من حياتي، ولذلك يشعر المتابع بأنه يعيش التجربة، لا يشاهدها فقط.

- هل تعتقدين أن المحتوى الرقمي أصبح وسيلة لحفظ التراث؟

بكل تأكيد.

في السابق كان التراث ينتقل بالرواية الشفهية، أما اليوم فأصبح ينتقل بالصورة والفيديو والمنصات الرقمية.

إذا أحسنّا استخدام هذه الأدوات فإنها ستصبح أكبر أرشيف يحفظ تفاصيل حياتنا للأجيال المقبلة، ولذلك أشعر أن كل مقطع أنشره يحمل مسؤولية، لأنه قد يكون بعد سنوات وثيقة يطلع عليها من لم يعش هذه المرحلة.

- حضور المرأة السعودية في ميادين الإبل أصبح أكثر وضوحًا، كيف ترين ذلك؟

المرأة السعودية لم تكن بعيدة عن هذا العالم يومًا، لكنها اليوم أصبحت أكثر ظهورًا بفضل الدعم الكبير الذي تعيشه المملكة.

أصبحنا نشاهد المرأة في الملاك، والمزادات، والفعاليات التراثية، وصناعة المحتوى، وهذا يعكس أن الحفاظ على التراث مسؤولية مشتركة بين الرجل والمرأة.

وأعتقد أن وجود المرأة يضيف بعدًا مختلفًا في توثيق هذا الإرث ونقله للأجيال.