لعل من أعمق المفارقات في تجربة سمو الأمير محمد بن سلمان أنه من أكثر القادة السعوديين اندفاعًا نحو المستقبل، وفي الوقت نفسه، من أكثرهم استحضارًا للتاريخ وإعادةً لترتيب موقعه في الوعي الوطني، وليس في ذلك تناقض؛ لأن القديم في فكر سمو الأمير ليس نقيضًا للحداثة، بل أحد شروطها: فالمجتمع الذي لا يعرف من أين جاء قد ينجح في تغيير واقعه، لكنه يعجز عن بناء مستقبل يمثله ويشبهه، وسرعان ما يتحول تحديثه إلى استعارة من تجارب الآخرين، لا امتدادًا طبيعيًا لذاته، وهنا زبدة فلسفة سمو الأمير وفكره في توظيف التاريخ، فهو لا يريد استنساخ تجربة أحد، بل يريد لوطنه وشعبه، أن يكونوا امتدادًا لذاتهم أولًا وقبل كل شيء، ثم تأتي لاحقًا مسألة الاستفادة من التجارب والمشاريع الناجحة.
ومن يتتبع أقوال سمو الأمير وقرارات الدولة ومشروعاتها الكبرى يلحظ أن التعامل مع التاريخ يجري في مسارات متكاملة: تصحيح نقطة البداية، واستعادة الحق في كتابة السردية الوطنية، وتوسيع الوعي بتاريخ الأرض السعودية، ثم تحويل التاريخ من ذاكرة محفوظة إلى قوة حاضرة في الهوية والعمران والاقتصاد، فالماضي هنا ليس مستودعًا للفخر وحده، وإنما مادة من مواد بناء الدولة الحديثة، ومن ثم يصبح الوعي بالتاريخ جزءًا من الكفاءة السياسية، لا ترفًا ثقافيًا يكتفى به في المناسبات.
ولعل من أبرز ما يصف هذا التحول ويعبر عنه هو اعتماد يوم التأسيس، فالأمر الملكي الذي أصدره خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز في 2022، بجعل 22 فبراير ذكرى لتأسيس الدولة السعودية، لم يضف مناسبة وطنية جديدة فحسب، بل أعاد الزمان السعودي إلى أصله 1727، حينما تولى الإمام محمد بن سعود الحكم في الدرعية وشرع في تأسيس الدولة السعودية الأولى.
وتكمن أهمية هذا التاريخ في أنه حرر نشأة الدولة من اختزال ظل شائعًا لعقودٍ طويلة، حينما ربط قيامها بسنة 1744 وبقدوم الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى الدرعية، والقراءة الجديدة لا تنكر منزلة الشيخ ولا أثر دعوته الإصلاحية، وإنما تضع الأحداث في ترتيبها الصحيح: الدولة تأسست أولًا بإرادة سياسية واجتماعية قادها الإمام محمد بن سعود، ثم دخل الشيخ في مشروع دولة قائمة، وأسهم فيها من موقعه العلمي والدعوي، وقد عبر سمو الأمير عن هذا المعنى بلطف ووضوح حينما وضع الشيخ ضمن علماء الدولة ورجالها، إلى جانب السياسيين والعسكريين؛ أي إنه كان، بالمعنى الوظيفي، جنديًا من جنود الدولة، لا مؤسسًا لها إلى جوار الإمام محمد بن سعود.
ومن هنا يكتسب الفصل بين يوم التأسيس واليوم الوطني معناه العميق: فالأول يستعيد أصل الفكرة السياسية سنة 1727، والثاني يخلد اكتمال إعادة التوحيد سنة 1932، وبين التاريخين -التأسيس والتوحيد- تمتد سيرة دولة واحدة، وإن تعاقبت عليها ثلاثة أطوار، والتحقيب إلى دولة أولى وثانية وثالثة مناسب للفهم التاريخي، لكنه لا يعني أن كل واحدة منها ولدت من فراغ؛ إذ بقيت فكرة الدولة كامنة في الذاكرة والولاء والشرعية الاجتماعية، وكانت تعود كلما تهيأت لها القيادة والقدرة، لقد سقط شكل الدولة مرتين، لكن معناها لم يسقط من نفوس أهلها.
وفي هذا السياق تفهم دقة سمو الأمير في لقائه بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين في 2023، حين صحح قوله: «إن الاتحاد السوفيتي اعترف باستقلال المملكة»، فقال بلطف ولباقة ملكية: «السعودية لم تستقل ذلك الوقت، السعودية أعيد توحيدها، السعودية لم تكن مستعمرة من قبل في التاريخ»، لم يكن التصحيح استدراكًا عابرًا، بل دفاعًا عن السيادة؛ فالاستقلال يفترض مستعمرًا سابقًا، أما إعادة التوحيد فتحيل إلى دولة صنعت وجودها من داخلها، ولم تنتظر قوة أجنبية تمنحها شهادة ميلادها، وهكذا رفض الأمير أن تقرأ التجربة السعودية داخل قالب صنع لتجارب تاريخية أخرى.
غير أن فكر سمو الأمير في التاريخ لا يقف عند تاريخ الدولة وحده، بل يستعيد تاريخ المكان السعودي بكامل طبقاته الحضارية، وهذا ما تكشفه مشروعات الدرعية والعلا وجدة التاريخية، وما يصاحبها من تنقيب وتوثيق وترميم وإحياء، ففي العلا، مثلًا، لا يبدأ تاريخ الأرض بقيام الدولة الحديثة، بل يمتد عبر ددان ولحيان والأنباط وطرق التجارة والحج، فيغدو الماضي الحضاري السابق للإسلام، والتاريخ الإسلامي، والتاريخ السعودي، حلقات في ذاكرة وطنية واحدة، وبذلك استعاد السعودي حقه في جميع أزمنة أرضه، بعد أن همشت بعض القراءات الأيديولوجية أجزاء واسعة منها أو نظرت إليها بريبة.
ويكشف مشروع سمو الأمير لتطوير المساجد التاريخية وجهًا آخر لهذه الرؤية؛ فالمسجد القديم لا يُرمم ليبقى أثرًا صامتًا، وإنما يعاد إلى الصلاة وإلى محيطه الاجتماعي، مع حفظ طرازه المعماري وخصوصية المنطقة التي نشأ فيها، وهنا يتحول التاريخ من مبنى يزار إلى وظيفة تستعاد، ومن ذكرى محلية مهددة بالاندثار إلى جزء من الذاكرة الوطنية الحية.
ولهذا التوجه وظيفة سوسيولوجية بالغة الأهمية؛ إذ تبني الدولة ذاكرة مشتركة لا تلغي تواريخ المناطق، بل تجمعها داخل قصة وطنية أوسع، فالدرعية والعلا وجدة والأحساء وعسير والقصيم ونجران ليست هوامش متفرقة، وإنما شواهد متعددة على عمق المكان وتنوع المجتمع، وحينما يتعرف المواطن إلى تاريخ المناطق الأخرى، تتحول الوحدة الوطنية من وحدة حدود ونظام سياسي إلى وحدة ذاكرة ومصير.
كما أن إدخال التاريخ في مشروعات التنمية والسياحة والثقافة والترفيه يكشف أن الأمير لا يعامله بوصفه عبئًا على المستقبل، فالموقع الأثري يستطيع أن ينتج معرفة وفرصًا واقتصادًا، والعمارة التاريخية تستطيع أن تلهم المدينة الحديثة، والهوية تستطيع أن تدخل العالم من غير أن تذوب فيه، وهكذا لا يعود الاختيار بين الأصالة والمعاصرة لازمًا؛ لأن التحديث الأرسخ هو ما ينمو من داخل المجتمع، لا ما يزرع فيه من خارجه.
لقد أعاد سمو الأمير محمد بن سلمان التاريخ إلى المجال العام، لا ليحكم الحاضر باسم الماضي، بل ليمنح الحاضر وعيًا بذاته والمستقبل ثقةً في مساره، فالتاريخ في فكر سموه ليس مقبرة لما انقضى، وإنما طاقة سياسية واجتماعية وحضارية؛ به تعرف الدولة كيف بدأت، وبه يعرف المجتمع لماذا استمرت، ومنه يستمد السعوديون يقينهم بأن الأمة التي صنعت دولتها، واستعادتها كلما سقطت، قادرة على أن تصنع مستقبلها من غير أن تفقد نفسها.
ومن يتتبع أقوال سمو الأمير وقرارات الدولة ومشروعاتها الكبرى يلحظ أن التعامل مع التاريخ يجري في مسارات متكاملة: تصحيح نقطة البداية، واستعادة الحق في كتابة السردية الوطنية، وتوسيع الوعي بتاريخ الأرض السعودية، ثم تحويل التاريخ من ذاكرة محفوظة إلى قوة حاضرة في الهوية والعمران والاقتصاد، فالماضي هنا ليس مستودعًا للفخر وحده، وإنما مادة من مواد بناء الدولة الحديثة، ومن ثم يصبح الوعي بالتاريخ جزءًا من الكفاءة السياسية، لا ترفًا ثقافيًا يكتفى به في المناسبات.
ولعل من أبرز ما يصف هذا التحول ويعبر عنه هو اعتماد يوم التأسيس، فالأمر الملكي الذي أصدره خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز في 2022، بجعل 22 فبراير ذكرى لتأسيس الدولة السعودية، لم يضف مناسبة وطنية جديدة فحسب، بل أعاد الزمان السعودي إلى أصله 1727، حينما تولى الإمام محمد بن سعود الحكم في الدرعية وشرع في تأسيس الدولة السعودية الأولى.
وتكمن أهمية هذا التاريخ في أنه حرر نشأة الدولة من اختزال ظل شائعًا لعقودٍ طويلة، حينما ربط قيامها بسنة 1744 وبقدوم الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى الدرعية، والقراءة الجديدة لا تنكر منزلة الشيخ ولا أثر دعوته الإصلاحية، وإنما تضع الأحداث في ترتيبها الصحيح: الدولة تأسست أولًا بإرادة سياسية واجتماعية قادها الإمام محمد بن سعود، ثم دخل الشيخ في مشروع دولة قائمة، وأسهم فيها من موقعه العلمي والدعوي، وقد عبر سمو الأمير عن هذا المعنى بلطف ووضوح حينما وضع الشيخ ضمن علماء الدولة ورجالها، إلى جانب السياسيين والعسكريين؛ أي إنه كان، بالمعنى الوظيفي، جنديًا من جنود الدولة، لا مؤسسًا لها إلى جوار الإمام محمد بن سعود.
ومن هنا يكتسب الفصل بين يوم التأسيس واليوم الوطني معناه العميق: فالأول يستعيد أصل الفكرة السياسية سنة 1727، والثاني يخلد اكتمال إعادة التوحيد سنة 1932، وبين التاريخين -التأسيس والتوحيد- تمتد سيرة دولة واحدة، وإن تعاقبت عليها ثلاثة أطوار، والتحقيب إلى دولة أولى وثانية وثالثة مناسب للفهم التاريخي، لكنه لا يعني أن كل واحدة منها ولدت من فراغ؛ إذ بقيت فكرة الدولة كامنة في الذاكرة والولاء والشرعية الاجتماعية، وكانت تعود كلما تهيأت لها القيادة والقدرة، لقد سقط شكل الدولة مرتين، لكن معناها لم يسقط من نفوس أهلها.
وفي هذا السياق تفهم دقة سمو الأمير في لقائه بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين في 2023، حين صحح قوله: «إن الاتحاد السوفيتي اعترف باستقلال المملكة»، فقال بلطف ولباقة ملكية: «السعودية لم تستقل ذلك الوقت، السعودية أعيد توحيدها، السعودية لم تكن مستعمرة من قبل في التاريخ»، لم يكن التصحيح استدراكًا عابرًا، بل دفاعًا عن السيادة؛ فالاستقلال يفترض مستعمرًا سابقًا، أما إعادة التوحيد فتحيل إلى دولة صنعت وجودها من داخلها، ولم تنتظر قوة أجنبية تمنحها شهادة ميلادها، وهكذا رفض الأمير أن تقرأ التجربة السعودية داخل قالب صنع لتجارب تاريخية أخرى.
غير أن فكر سمو الأمير في التاريخ لا يقف عند تاريخ الدولة وحده، بل يستعيد تاريخ المكان السعودي بكامل طبقاته الحضارية، وهذا ما تكشفه مشروعات الدرعية والعلا وجدة التاريخية، وما يصاحبها من تنقيب وتوثيق وترميم وإحياء، ففي العلا، مثلًا، لا يبدأ تاريخ الأرض بقيام الدولة الحديثة، بل يمتد عبر ددان ولحيان والأنباط وطرق التجارة والحج، فيغدو الماضي الحضاري السابق للإسلام، والتاريخ الإسلامي، والتاريخ السعودي، حلقات في ذاكرة وطنية واحدة، وبذلك استعاد السعودي حقه في جميع أزمنة أرضه، بعد أن همشت بعض القراءات الأيديولوجية أجزاء واسعة منها أو نظرت إليها بريبة.
ويكشف مشروع سمو الأمير لتطوير المساجد التاريخية وجهًا آخر لهذه الرؤية؛ فالمسجد القديم لا يُرمم ليبقى أثرًا صامتًا، وإنما يعاد إلى الصلاة وإلى محيطه الاجتماعي، مع حفظ طرازه المعماري وخصوصية المنطقة التي نشأ فيها، وهنا يتحول التاريخ من مبنى يزار إلى وظيفة تستعاد، ومن ذكرى محلية مهددة بالاندثار إلى جزء من الذاكرة الوطنية الحية.
ولهذا التوجه وظيفة سوسيولوجية بالغة الأهمية؛ إذ تبني الدولة ذاكرة مشتركة لا تلغي تواريخ المناطق، بل تجمعها داخل قصة وطنية أوسع، فالدرعية والعلا وجدة والأحساء وعسير والقصيم ونجران ليست هوامش متفرقة، وإنما شواهد متعددة على عمق المكان وتنوع المجتمع، وحينما يتعرف المواطن إلى تاريخ المناطق الأخرى، تتحول الوحدة الوطنية من وحدة حدود ونظام سياسي إلى وحدة ذاكرة ومصير.
كما أن إدخال التاريخ في مشروعات التنمية والسياحة والثقافة والترفيه يكشف أن الأمير لا يعامله بوصفه عبئًا على المستقبل، فالموقع الأثري يستطيع أن ينتج معرفة وفرصًا واقتصادًا، والعمارة التاريخية تستطيع أن تلهم المدينة الحديثة، والهوية تستطيع أن تدخل العالم من غير أن تذوب فيه، وهكذا لا يعود الاختيار بين الأصالة والمعاصرة لازمًا؛ لأن التحديث الأرسخ هو ما ينمو من داخل المجتمع، لا ما يزرع فيه من خارجه.
لقد أعاد سمو الأمير محمد بن سلمان التاريخ إلى المجال العام، لا ليحكم الحاضر باسم الماضي، بل ليمنح الحاضر وعيًا بذاته والمستقبل ثقةً في مساره، فالتاريخ في فكر سموه ليس مقبرة لما انقضى، وإنما طاقة سياسية واجتماعية وحضارية؛ به تعرف الدولة كيف بدأت، وبه يعرف المجتمع لماذا استمرت، ومنه يستمد السعوديون يقينهم بأن الأمة التي صنعت دولتها، واستعادتها كلما سقطت، قادرة على أن تصنع مستقبلها من غير أن تفقد نفسها.