الدمام: شذى المرزوق

يتوقف الزبون بسيارته أمام أحد المنازل، يرسل رسالة قصيرة: «وصلت»، وبعد دقائق يُفتح الباب ليخرج أحد سكان المنزل بكوب ماتشا بارد أُعد قبل لحظات، يحمل ملصقًا باسم المشروع وتغليفًا أنيقًا يشبه ما تقدمه المقاهي.

لا محل تجاريًا، ولا طاولات، ولا موظف استقبال، ولا إيجارًا شهريًا؛ المطبخ مساحة للإنتاج، والهاتف يستقبل الطلبات، وباب المنزل نقطة للتسليم.

مشهد يتكرر

مع انتشار مشاريع منزلية متخصصة في الماتشا والآيس لاتيه والقهوة الباردة والحلويات، مستعيدًا بصورة عصرية نموذجًا تجاريًا عرفته المنطقة الشرقية منذ عقود؛ تغيرت المنتجات وأدوات البيع، وبقي المنزل نقطة انطلاق للمشروع.

تستعيد معصومة الخليفة، بائعة من جيل سابق، شكل التجارة قبل انتشار المجمعات التجارية والمتاجر الإلكترونية، موضحة أن أحياء القطيف وسيهات وغيرها من مدن المنطقة الشرقية عرفت منذ زمن نمطًا بسيطًا من البيع المنزلي.

فكانت نساء يبعن الملابس وإحرامات الصلاة والمفارش والعطور والبخور، فيما اشتهرت بيوت أخرى بالحلويات والمأكولات الشعبية، ووصل النشاط في بعض الأحياء إلى بقالات وبسطات منزلية صغيرة تخدم الجيران.

ولم تكن هناك علامات تجارية أو حسابات على منصات التواصل؛ كان التسويق يعتمد على السمعة والتوصيات بين الأهالي، وتكفي عبارة «فلانة عندها بضاعة حلوة» لينتقل الخبر من بيت إلى آخر ويأتي الزبائن.

من فلانة إلى علامة

ولعل التحول الأبرز يكمن في هوية المشروع نفسه. فصاحبة النشاط قديمًا كانت تُعرف باسمها بين سكان الحي: «فلانة تبيع ملابس» أو «فلانة عندها بخور»، بينما يبدأ الجيل الجديد أحيانًا باختيار اسم للمشروع قبل بيع أول كوب.

وأصبح الشعار والألوان والحساب الاجتماعي وطريقة التصوير والعبوات جزءًا من المشروع، فيما نقلت المنصات الاجتماعية التسويق من توصيات الجيران إلى جمهور أوسع قد لا يعرف صاحبة المشروع شخصيًا.

وبين امرأة كانت تفتح باب منزلها قبل عقود لتسلم زبونتها قطعة قماش، وشابة تفتحه اليوم لتسلم كوب ماتشا، تغيرت المنتجات والأجيال ووسائل الوصول إلى العملاء، لكن التجارة من المنزل بقيت حاضرة، وانتقلت من «فلانة تبيع» إلى مشروع يحمل اسمًا وهوية وحسابًا على منصات التواصل.

الماتشا عند الباب

بعد عقود، تغيرت أدوات التجارة المنزلية. صاحبة المشروع اليوم قد تتخصص في مشروب واحد، وتصنع له اسمًا وهوية وشعارًا وعبوات خاصة، ثم تعرض منتجاتها عبر إنستجرام أو سناب شات أو تيك توك، لتتجاوز دائرة عملائها حدود الحي والجيران.

وتوضح فاطمة الداوود، مديرة مشروع منزلي، أن الماتشا أصبحت من المنتجات الملائمة لهذا النموذج، لارتباطها بثقافة المقاهي الحديثة وإمكانية تقديمها بنكهات وإضافات متعددة، إضافة إلى شكلها ولونها اللذين يمنحان المشاريع مساحة لبناء هوية بصرية جاذبة. وينطبق الأمر على الآيس لاتيه والقهوة الباردة والحلويات الحديثة، إذ يتيح العمل من المنزل اختبار الفكرة والمنتج وبناء قاعدة من العملاء قبل تحمل تكاليف تشغيل أكبر، مع الالتزام بالأنظمة والاشتراطات المنظمة للنشاط، بداية من شهادة العمل الحر.