مريم النويمي

(ماما، إذا أصيب ممثل بالزهايمر، أي دور سيتذكر؟)، هكذا التفتت إليّ ابنتي - طالبة في المرحلة الثانوية- بابتسامتها المعتادة، تسألني ونحن نغادر إحدى دور السينما، عقب مشاهدتنا فيلم «سبايدر مان». تخيلت للحظة أن بطل الفيلم قد ينسى أنه إنسان، ويبقى في ذهنه أنه سبايدر. السؤال بعفويتها التي أحببتها، بقي يرافقني طوال الطريق.

ممكن أن كثيراً منا يتخيلون الزهايمر بهذه الصورة، مرضًا يمحو الحقيقة ويستبدلها بخيال آخر، لكن الواقع مختلف.

الزهايمر لا ينسي الإنسان طبيعته، ولا يجعله يعيش دورًا لعبه في فيلم، بل يفعل شيئًا أكثر هدوءًا وأكثر قسوة. إنه يعيد ترتيب الزمن داخل الدماغ، فقد ينسى ما حدث هذا الصباح، لكنه يتذكر تفاصيل حدثت قبل خمسين عامًا. من الممكن ألا يعرف حفيده الذي يقف أمامه، لكنه يسأل عن أمه التي رحلت منذ عقود، وكأن الحاضر يتلاشى تدريجيًا، بينما يبقى الماضي صامدًا، يرفض أن يغادر. تبادرت لذهني، قصة زوجة جدي. كانت في مراحل متقدمة من الزهايمر، نسيت أسماء من حولها، وأحداثاً مرت بها، حتى بدا أن الزمن قد سحب منها معظم تفاصيل حياتها، عدا شيء واحد، بقي ثابتًا لم يستطع المرض انتزاعه منها. اسم زوجها وصورته. توفي منذ أربعين عاماً،لكنه حيٌ في قلبها.

لم يعد السؤال بالنسبة لي: لماذا ينسى مريض الزهايمر؟

بل هل الزهايمر مرض الذاكرة، أم مرض الزمن؟ الزمن موضوعي والذاكرة انتقائية، الزمن يرتب الأحداث، بينما الذاكرة لها حساب آخر. من هنا رحت أتأمل في كل الحكايات التي سمعتها أو عايشتها مع مصابين بالزهايمر: مسن، لا يصنع شيئا طوال النهار إلا الأذان، كان مؤذناً لمدة أربعين عاماً، وعندما أصابه المرض، نسي كل شيء وبقي مؤذناً دون مئذنة، الدور الذي ختم الله به حياته.

«الحصين» هي أولى المناطق التي تتأثر في الدماغ لدى المصابين بالزهايمر، وهي مهمة في تكوين الذكريات الجديدة، لذلك يتم نسيانها، إنما الذكريات القديمة أكثر رسوخاً، لأنها تتخزن في مناطق أكثر من الدماغ، كالقشرة المخية، وتشارك اللوزة الدماغية في ربط الذكريات بالعاطفة، ذكرى مفرحة وأخرى محزنة أو مخيفة. لذلك هناك ما يسمى التدرج الزمني للذاكرة، وتعني أن الذكريات الحديثة أكثر هشاشة، بينما تقاوم الذكريات القديمة مدة أطول.

جودة عمل الدماغ عامة تعتمد على ترابط أجزائه وانتقال الرسائل العصبية بينها، لكن الزهايمر يعيق هذا التواصل، لارتفاع بروتين معين بين الخلايا العصبية، ومع الوقت يحدث ضمور في بعض مناطق الدماغ. وعادة تتضرر الشبكات المرتبطة بالذاكرة، وبعد ذلك المناطق المسؤولة عن اللغة، والتعرف على الأشخاص والأشياء، فقد لا يعرف المريض اسم الشخص لكن يشعر نحوه بالألفة والطمأنينة. وأحياناً تكون الذكرى موجودة لكن علاقتها بالزمن اختلت. الزهايمر لا يسلب الإنسان ماضيه دفعة واحدة، بل يقص خيط العلاقة بين الماضي والحاضر، تبقى صور، أسماء، مشاعر، أو أمكنة بلا تواريخ، وتعجز الذاكرة عن استرجاع الحكاية كاملة، لكن ربما تحتفظ بمن كان فيها أكثر قيمة.

نحن لا نملك وصفة تمنع شيخوخة الدماغ، لكن لدينا الكثير مما يجعل رحلته مع الزمن أكثر صحة ومقاومة، كممارسة الرياضة، الغذاء المتوازن، كمية كافيين معتدلة كل يوم في كوب من القهوة والشاي، الحفاظ على جودة النوم، التعلم المستمر، والحفاظ على العلاقات الاجتماعية المريحة، فالعزلة المزمنة تؤثر في الذاكرة.