بندر خليل

في التاريخ رجال يرثون زمنهم، ورجال يصنعون زمنهم وزمن بلادهم. يأتي الأول إلى الدولة فيحسن إدارتها، ويطيل من فترتها، ويأتي الثاني ليعيد تعريف دولته، وتعريف صورتها عن نفسها، وموقعها بين الأمم، والمسافة التي تفصل حاضرها عن مستقبلها.

ومنذ أن أعلن الأمير محمد بن سلمان «رؤية 2030»، بدا كأن المملكة فتحت نوافذها دفعة واحدة على المستقبل.

كان في الثلاثين من عمره، وكان المشروع أكبر من أعمار رجال كثيرين وأطول من سيرة حكومات. حمل إلى الدولة سؤالًا ظل ينتظر صاحبه: ماذا تستطيع السعودية أن تكون، فوق ما كانت؟

في 25 أبريل 2016، خرجت الرؤية من قاعات التخطيط إلى فضاء الوطن. ثلاثة عناوين موجزة: مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح.

وفي داخلها انطلقت ورشة كبرى لتنويع الاقتصاد، وتحرير الطاقة الاجتماعية، وتحديث الإدارة، وتحويل الثقافة والسياحة والترفيه والرياضة إلى روافد وطنية ذات قيمة اقتصادية وإنسانية.

كانت الرؤية إعلانًا بأن المستقبل مورد تصنعه الإرادة، كما صنعت الهمة وطناً منذ مئات السنين.

رأى سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بلاده بعينين: عين تقرأ ما في الأرض، وعين على ما وراء الأفق. حيث المستقبل الكبير، وبين العينين نشأت سياساته الكاملة.

رأى أن الثروة التي تنام تحت التراب عظيمة، ولكن الثروة التي تمشي فوقه أعظم، إنها الشاب السعودي، والشابة السعودية، والعقل المبتكر، والمدينة المنافسة، والجامعات المتصلة بسوق العمل، والصناعات المتقدمة، والوجهات المفتوحة على العالم.

نهضت الرياض وصارت ورشة عالمية ممتدة، للمعارض والمشاريع السيادية الكبرى، واستعادت الدرعية هيبتها التاريخية، وخرجت العُلا عن صمتها لتدهش العالم، وصعدت عسير إلى واجهة المشروعات الوطنية السياحية الكبرى، بينما أخذ البحر الأحمر، بجميع جزره وواجهاته، وعوالمه الغنية، مكانا يستحقه في فضاءات الطبيعة والجمال. كانت المدن تتغير، ومعها تغيّرت نظرة السعودي إلى بلاده. فالنهضة تبدأ حين يرى الفرد قدرته على بناء حضارته.

وفي أعوام قليلة، أصبحت المملكة موعدًا عالميًا. قادة الاقتصاد يجتمعون في الرياض، ونجوم الرياضة يتوجهون إليها، وصناع الثقافة يعبرون منصاتها، والعالم يتابع مشروعاتها كما يتابع ميلاد القوى الصاعدة.

واليوم يحضر اسم السعودية بقوة، في الحديث عن الذكاء الاصطناعي، والطاقة المتجددة، والاستثمار، والسياحة، والصناعات الدفاعية، وإستراتيجيات المنطقة والعالم.

ومع انتقال المملكة من البناء الداخلي إلى التأثير الإقليمي، اتسعت الرؤية من الاقتصاد إلى السياسة والأمن القومي، ومن تنويع الموارد إلى تنويع الخيارات الإستراتيجية.

ولأن الاقتصاد الكبير يحتاج إلى سياج من الاستقرار، والمشروعات الممتدة على البحر الأحمر والخليج تحتاج إلى ممرات آمنة، والطموح الذي يجذب العالم يحتاج إلى قيادة تحسن صناعة قرارها، وبناء شراكاتها، وتقرأ تحولات القوة اليوم وكيف تكون في المستقبل.

جاءت في السابع من أغسطس 2026، «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» بين السعودية وتركيا وباكستان ليتسع البنيان السياسي الخارجي، الذي بدأ مع الرؤية الاقتصادية والوطنية.

ثلاثة بلدان تجمع بينها ثقل الجغرافيا، وكثافة السكان، والخبرة العسكرية، والقوة الاقتصادية، والتقدم الصناعي، والمكانة الإسلامية. ورفعت الاتفاقية مستوى الردع عبر اعتبار الاعتداء المسلح على إحدى الدول الثلاث اعتداءً عليها جميعًا.

اختيار مكة حمل من المعاني ما يتجاوز الحدث ذاته، ففي المدينة التي تتجه إليها قلوب المسلمين، اجتمعت ثلاث قوى كبرى لتقول إن العالم الإسلامي يملك فرصة لصناعة أمنه عبر التعاون، وإن التضامن يستطيع الانتقال من الخطب إلى المؤسسات، ومن حرارة العاطفة إلى دقة الحساب الإستراتيجي.

تجسد المملكة العربية السعودية مركز الثقل العربي والإسلامي وقوة الاقتصاد. مع خبرات تركيا العسكرية وفي صناعات دفاعية متقدمة. وقوة باكستان النووية مع مكانة إستراتيجية في جنوب آسيا.

وبين «رؤية 2030» و«اتفاقية مكة» يمتد مسار ثابت هو بناء القوة السعودية الشاملة.

بدأت الرحلة بإصلاحات سريعة في الداخل؛ فالسياسة القوية تستند إلى اقتصاد قوي، والاقتصاد القوي يستند إلى مجتمع حي، والمجتمع الحي يستمد تأثيره من الثقة والفرص والأمل.

ثم اتجهت الدولة إلى محيطها، تحمل وزنًا جديدًا اكتسبته من سرعة التحولات وقدرة قيادتها الجامعة بين الطموح الاقتصادي والحسابات السياسية.

من إعلان الرؤية إلى توقيع اتفاق مكة، مضى عقد من الزمن تقريبًا، غير أن مقدار التحول الذي حدث يساوي زمناً كاملًا في حياة الدول.

تبدلت اللغة والأولويات وتغيرت صورة البلاد في عيون أهلها والعالم. وصار المستقبل شأنًا يوميًا يُرى في المدن والمطارات والمصانع والجامعات والاتفاقيات، وفي أحاديث الناس العاديين.

قاد محمد بن سلمان في اللحظة المناسبة المسيرة نحو مراحل جديدة، يوقظ الطموح في وطنه، ويلهم شعبه، ويجعل من ذلك الطموح سياسة راسخة لإدارته في الداخل والخارج.

كانت المعالي في نفسه هي الغاية والمسؤولية، ومدّ يده إليها بثقة الشاب وعزم المحب العاشق لأرضه وأمته، فكم يصدق فيه قول الشاعر:

وقفوا في مصارع العجز عنهُ/ فاتَ فوت الوميض من لا يُجارى!