محمد طالب

بدأت أردد الصرخة على طريقتي في أرجاء منزلي، لا على طريقة الحوثي في أرجاء اليمن، وألوح بإصبعي في وجه زوجتي، التي فوجئت بهذا التحول المفاجئ؛ فهذه هي المرة الأولى منذ أن تزوجنا التي أرفع فيها صوتي وإصبعي في آنٍ واحد.

صحيح أنني كنت أحرك إصبعي أمامها من حين إلى آخر، لكن بوصفه لغة إشارة منزلية لا علاقة لها بالسلطة؛ إشارة أبلغها بها أن كل شيء جاهز: المطبخ نظيف، والشقة مرتبة، والأعمال المنزلية نُفذت بنجاح.

أما هذه المرة، فقد قررت أن أمنح الإصبع صلاحيات أوسع.

غمزت لها مطمئنًا: «لا تخافي، مجرد مشهد تمثيلي». كنت أريد فقط أن أعيش لحظة التسلط، ولو لمرة واحدة داخل منزلي.

وربما ما جعل زوجتي تسمح لي باستعارة منصب «المتسلط» لبضع دقائق أنني كنت قد نظفت المطبخ والشقة، فاستحققت بعض التسلط، وربما أيضًا لتعاطفها مع جياع اليمن؛ فلطالما قالت بحزن، كلما مر أمامنا مشهد لطفل يمني أنهكه الجوع: «الله يكون في عونهم».

مارست الدور بكل ما أوتيت من هيبة، بينما كانت «السيدة الأولى» في الكواليس تشير إليّ بمقادير التسلط وطرق تحضيره:

ارفع صوتك قليلًا، قطب حاجبيك، حرّك إصبعك أكثر، ولا تبتسم.

كنت، باختصار، الحاكم أمام الجماهير، والمحكوم خلف الستار. هي تدير المشهد، وأنا لا أملك من أدوات السلطة سوى إصبع أحركه وفق التعليمات. وواصلت التمثيل حتى جاء ابني، الذي أنجبته بعد انقلابي على العزوبية، يطالبني بمصروفه الشهري.

لوحت بإصبعي في وجهه، وأخبرته بلهجة لا تقبل المساومة أننا نعيش «مرحلة حصار»، وأن عليه أن يكون بحجم المرحلة ويتحمل تبعاتها.

نظر إليّ المسكين بصمت.

والحقيقة أنني ظلمته حين طالبته بأن يكون بحجم المرحلة؛ فالولد لم يعد له حجم أصلًا من كثرة ما فرضت عليه من حصار اقتصادي.

واصلت تحريك إصبعي بالطريقة نفسها التي يحرّك بها الحوثي إصبعه في وجوه اليمنيين الجوعى؛ إصبع لا يتعب من الحركة، أمام شعب ينتظر منذ سنوات أن يتحرك شيء آخر.

أن يتحرك الاقتصاد، أن تتحرك الرواتب إلى جيوب أصحابها، أن تتحرك عجلة الحياة، أوـ في أفضل الاحتمالات بالنسبة إلى اليمنيين- أن يتحرك هو شخصيًا، ويرحل من حياتهم.

لكن الشيء الوحيد الذي ظل يتحرك بلا توقف هو ذلك الإصبع.

ولسان حال اليمني الجائع أمام كل هذا التلويح يشبه لسان حال بطل أحد الأفلام الكوميدية، حين ضاق ذرعًا برجل لا يكف عن تحريك إصبعه في وجهه، فقال له: «بنفس الصباع؟!» نعم، بنفس الصباع.

الصباع الذي يشير إلى أمريكا، بينما الجائع أمامه يمني.

والصباع الذي يتوعد إسرائيل، بينما الراتب الغائب يمني.

والصباع الذي يرسم في الهواء انتصارات كبرى، بينما المواطن على الأرض يبحث عن أبسط مقومات الحياة.

رفعت يدي بالطريقة الصحيحة، ورددت الصرخة بأعلى صوتي، ثم انتظرت أن تموت أمريكا.

لكن أمريكا لم تمت.

وإسرائيل لم تمت.

الذي مات، كعادته، كان اليمني.

بل إن اليمني لم يعد مضطرًا إلى البحث عن أعدائه؛ فقد أصبحت مغامرات الحوثي كفيلة بصناعة خصوم له في أماكن لم يتخيل يومًا أن تكون له فيها خصومة.

حكى لي يمني يقيم في اليابان أن يابانيًا قال له ذات مرة: «أنتم اليمنيون تعتدون على السفن».

والمسكين لا علاقة له بالسفن ولا بالممرات البحرية، وآخر علاقة شخصية جمعته بالبحر كانت وهو طفل، في رحلة عيد مع أسرته.

كبر، وهاجر إلى اليابان، وعاش حياته بعيدًا عن السياسة والبحار والصواريخ، ثم وجد نفسه في أقصى شرق آسيا مطالبًا بشرح ما يحدث في البحر الأحمر.

هكذا انتقلت فاتورة المغامرات من الداخل إلى الخارج. الحوثي يطلق الصاروخ، واليمني يقدم المرافعة.

الحوثي يهدد السفن، والمغترب يشرح للناس أنه ليس حوثيًا، وأن اليمني لا يُختصر في جماعة، ولا في صاروخ، ولا في حرب لم يقررها.

الحوثي يطلق الصاروخ، واليمني يتحمل التبعات؛ في الداخل جوعًا وخوفًا وفقرًا، وفي الخارج دفاعًا عن اسمه وصورته وهويته.

وباختصار: الحوثي يطلق الصاروخ، واليمني يدفع الفاتورة؛ في الداخل من جيبه، وفي الخارج من سمعته.

هذا إن بقي لليمني في الداخل جيب أصلًا؛ فكثيرون أنهكهم الفقر حتى باتت ملابسهم أقرب إلى الأكفان، والأكفان، كما نعرف، بلا جيوب.

وحتى لا نظلم الحوثي، فهو يبدو شديد الحساسية تجاه الجوع، بشرط أن يكون الجائع بعيدًا عنه.

يتحدث عن جائع غزة، ويتألم لجراح لبنان، ويرفع الشعارات دفاعًا عن المستضعفين خارج الحدود؛ أما جائع اليمن، الذي يقف على بعد أمتار منه، فيتعاطف معه على طريقته: يودعه السجن، ليأكل ضربًا حتى يشبع موتًا.

ذلك لا يحتاج إلى خطبة تضامن، بل إلى راتب.

ولا يحتاج إلى صاروخ يعبر البحر، بل إلى كيس دقيق يعبر باب بيته.

ولا يريد تحرير العالم، بقدر ما يريد أن يتحرر راتبه أولًا.

والمفارقة أن من يستطيع سماع أنين الجائع على بعد آلاف الكيلومترات، قد يثقل عليه سماع اليمني حين يقول ببساطة: «أنا جائع».

وحين يسأل هذا الجائع عن راتبه، تحضر الإجابة الجاهزة: «الحصار».

الحصار مسؤول عن الراتب، وعن الجوع، وعن الفقر، وربما لو تعطلت ثلاجة أحدهم في الحديدة، لاكتشفنا أن الحصار هو السبب أيضًا.

مع أن الرجل قد لا يملك ثلاجة أصلًا. ولو امتلكها، فسيبقى عليه أن يعثر على الكهرباء.

فـ«الحصار» تحويجة حوثية لطهي العنف والفوضى وإطالة عمر الأزمات.

يشكو من الحصار، ثم يحاصر اليمني حين يشكو من الجوع.

يتحدث عن الجوع، ثم تدخل منافذ الغذاء في دائرة الصراع.

يطالب العالم بأن يفتح الطريق لليمني، ثم يضع السياسة والسلاح في الطريق نفسه.

وأمام معادلة كهذه، يعود اليمني إلى السؤال الذي بات يصلح لكل شيء: «بنفس الصباع؟!» نعم، بنفس الصباع.

ومنذ أن أطل الحوثي على اليمنيين من نافذة «الجرعة»، وهم يتجرعون جرعات من الحرب والجوع والتشريد.

وكلما ارتفعت الصرخة عاليًا في وجه أمريكا وإسرائيل، كان اليمني هو من يدفع الثمن.

فكلما جاع اليمني، أطلّ عليه الحوثي عبر الشاشة يتجشأ شبعًا، ملقيًا عليه محاضراته عن الصبر.

*كاتب يمني