صفوق الشمري

من باب الصراحة والإفصاح، لم أكن أرغب في كتابة مقال إضافي عن الصناعة العسكرية. أعتقد أنني كتبت خلال السنوات الماضية الكثير عنها، ولله الحمد، وفقنا في قراءة العديد من التحولات، وتوقعنا عددًا من الأحداث والمسارات، ونبهنا إلى كثير من القضايا، استجاب البعض، بينما اختار البعض الآخر المضي في اتجاه مختلف.

لذلك، ماذا يمكن أن نضيف في هذا المقال بعد كل ما قيل؟

لكن ثقة الناس، خصوصًا العاملين والمتخصصين في القطاع، لها ثقلها. فمع كل مقال نكتبه، تصلنا ردود كثيرة من المختصين في المجال، وهم في الحقيقة أحد أهم دوافع الاستمرار.

يقول لي بعضهم إن أحد أسباب اهتمامهم بما نكتب هو عدم وجود أجندة خفية، إضافة إلى معرفتنا بالمجال وتفاصيله ودهاليزه منذ سنوات طويلة. فالناس، في نهاية المطاف، تقرأ وتستجيب لمن يكتب عن معرفة.

ورغم أن مجال عملي اليومي مختلف عن الصناعة العسكرية، فإن الشغف بهذا القطاع بدأ لدي قبل عقود، وتحول مع الوقت إلى عادة يصعب التخلص منها؛ وكما يقول المثل: «قالوا فكّه، قال ما يفكّني!»

ولعل تعيين قائد جديد للهيئة العامة للصناعات العسكرية «الوزير بندر الخريف»، كان أحد الأسباب التي دفعتني للكتابة مجددًا، من باب النصيحة الواجبة للمسؤول.

وبندر الخريف ليس غريبًا عن القطاع، فهو ابن الصناعة، ولديه معرفة سابقة بالقطاع، كما كان عضوًا فاعلًا في مجلس إدارة الشركة السعودية للصناعات العسكرية «سامي».

لذلك، لن أعود في هذا المقال إلى السرد التاريخي لمراحل الصناعة العسكرية السعودية التي عشناها وراقبناها على مدى سنوات؛ كيف كانت الصناعة قبل رؤية 2030، وكيف انتقلت المملكة إلى هدف طموح يتمثل في توطين ما يصل إلى 50 % من الإنفاق العسكري بحلول عام 2030، وما تحقق خلال هذه الرحلة من نجاحات وإخفاقات.

أرشيف مقالاتنا موجود، وفيه سرد تفصيلي لهذه المراحل.

سأبدأ من المرحلة الحالية. أولا، سأكرر جملة ذكرتها في مقالاتي الأخيرة:

نحن نعيش مرحلة تغيير دراماتيكي كبير في طبيعة الحروب وأدواتها، لم يشهد العالم مثيلًا له منذ الحرب العالمية الثانية.

التغيير اليوم ليس في نوع السلاح فقط، بل في الإستراتيجيات، والتكتيكات، وطريقة إدارة المعركة، وسرعة تطوير الأسلحة واتخاذ القرار.

أسلحة كانت تمثل أساسًا في الحروب التقليدية أصبحت اليوم أقل أهمية، وبعضها أصبح، في بعض السيناريوهات، قريبًا من مفهوم الـ Obsolete.

وفي المقابل، أصبحت الحرب الحديثة تعتمد بصورة متزايدة على الذكاء الاصطناعي، والطائرات المسيّرة، والصواريخ الفرط صوتية، وأنظمة الدفاع الجوي الطبقية والمتعددة، والاستشعار المتقدم، والحرب الإلكترونية، وتحليل البيانات، والأنظمة الذاتية.

الحرب الروسية ـ الأوكرانية مثال واضح على هذا التحول. فقد أصبحت الطائرات المسيّرة جزءًا أساسيًا من العمليات العسكرية، ويتم إنتاجها واستهلاكها بأعداد هائلة بالملايين أكثر من عدد الجنود وبمعدلات يصعب مقارنتها بالنمط التقليدي لتصنيع الأسلحة.

ثانيًا وهنا نصل إلى نقطة أكثر أهمية.

الثورة التقنية العسكرية لا تغير الأسلحة فقط، بل تغير دورة حياة السلاح نفسها.

في السابق، كان إدخال منظومة سلاح جديدة إلى الخدمة يتطلب سنوات طويلة من الدراسات والمناقصات والتجارب والاختيار والتعاقد والتوريد والتدريب. وبعد دخولها الخدمة، قد يستغرق استبدالها بنظام آخر سنوات طويلة وربما عقدًا كاملًا.

أما اليوم، فقد أصبح التطوير أسرع بكثير.

قد يتم تعديل المواصفات، وتغيير البرمجيات، وإضافة قدرات جديدة، أو حتى إعادة تصميم أجزاء من المنظومة أثناء استخدامها الحالي في الميدان. وهذا حاليا نقاش حامٍ بين المؤسسات العسكرية ومراكز الفكر الدفاعي.

أي أن العلاقة بين المستخدم والمصنع أصبحت أكثر ديناميكية بكثير.

السلاح لم يعد منتجًا تنتهي قصته عند تسليمه؛ بل يجب أن يكون منصة قابلة للتحديث المستمر.

وهذا تحول إستراتيجي يجب أن ينعكس مباشرة على مفهومنا لتوطين الصناعة العسكرية.

ثالثا، ذكرت سابقًا، وسأكررها هنا:

الوصول إلى نسبة مهمة وفعالة من توطين التقنيات الحديثة التي تستخدمها الحروب الحالية قد يكون أهم من الوصول رقميًا إلى 50 % من توطين صناعات عسكرية تقل أهميتها بمرور الوقت. وقد يصبح بعضها غير ذي جدوى في الحروب الحديثة !

الهدف ليس تحقيق نسبة على الورق.

الهدف هو امتلاك القدرة العسكرية والصناعية والتقنية المناسبة للحروب الحالية التي يحتاجها أمننا الوطني مستقبلًا.

فبعض المعدات والمنظومات الكبيرة والمكلفة، والتي قد تتطلب استثمارات ضخمة، أصبحت فائدتها العملياتية في بعض السيناريوهات أقل مما كانت عليه سابقًا أو شبه معدومة، بينما قد تكون تقنيات أقل حجمًا وأكثر مرونة، مثل الأنظمة غير المأهولة والذكاء الاصطناعي والحرب الإلكترونية والاستشعار والأنظمة الذاتية، أكثر تأثيرًا في ساحة المعركة.

لذلك، يجب ألا نقيس نجاح التوطين فقط بعدد المصانع أو حجم الإنفاق المحلي، وإنما بقدرتنا على امتلاك التقنية والمعرفة والمرونة وسرعة التطوير والإنتاج.

رابعًا، كتبت ذلك سابقًا، وسأعيده اليوم:

أعتقد أن الهيئة العامة للصناعات العسكرية تحتاج إلى إعادة هيكلة وتجديد للدماء والأفكار بصورة مستمرة.

وقد يزعج هذا الرأي البعض، كما حدث سابقًا، لكن المصلحة العليا أهم من إرضاء الأشخاص.

وأنا لا أقصد بالضرورة تغييرًا جذريًا في الهيكل، وإنما أعتقد أن مرحلة التحول الحالية تتطلب عقليات قادرة على التفكير خارج النماذج التقليدية، وفهم طبيعة الصناعة العسكرية الجديدة، وليس فقط إدارة ما كان قائمًا في السابق.

خامسًا، أعرف أن الهيئة العامة للصناعات العسكرية هي المنظم والمشرّع للقطاع، بينما «سامي» شركة صناعية وتجارية لها دور مختلف.

لكن وضع «سامي»، كما ذكرنا مرارًا، لا يزال دون المأمول.

دخلت الشركة، في تقديري، خلال السنوات الماضية في دورات متعاقبة: بدأت بمرحلة مذكرات التفاهم، ثم مرحلة غياب البوصلة الواضحة، ثم مرحلة عدم وضوح المسار والرسالة.

وأعتقد أن استمرار هذا الوضع يجعل الشركة تدخل في حلقة مفرغة من عدم الوضوح.

في كل معرض أو مناسبة دولية، من الطبيعي أن يكون لدى كل شركة دفاعية عالمية رسالة واضحة تريد إيصالها!

أما سامي لا توجد رسالة أو لا تستطيع فهم الرسالة ! وعندما تكون الرسالة غير واضحة، فإن المشكلة لا تكون في التسويق فقط، وإنما في الإستراتيجية نفسها.

سبق أن اقترحنا نموذج Tiers؛ بحيث تكون «سامي» قائدًا للقطاع، تعمل على بناء منظومة صناعية متكاملة حولها، وتفتح المجال للشركات الصغيرة والمتوسطة للتخصص والنمو، بدل الدخول في منافسة مباشرة مع كل طبقات القطاع.

الشركة القائدة يجب أن تكون مظلة ومحركًا للمنظومة، لا أن تكون منافسًا لكل من يعمل تحتها.

سادسًا، وهذه نقطة ربما تكون حساسة، لكنها ضرورية.

الصناعة العسكرية ليست مجالًا لمن يبحث عن وجاهة أو أرباح سريعة أو «بريستيج».

قد يكون شخص ناجحًا جدًا في العقار أو الأراضي، ولم يسبق له أن أدار مصنع ساردين أو حتى عمل في قطاع صناعي معقد، ثم يسمع أن أرباح الصناعات العسكرية كبيرة، فيقرر فجأة الدخول في أحد أصعب القطاعات الصناعية في العالم.

الصناعة العسكرية ليست مصنعًا عاديًا.

هي نقطة تقاطع بين الصناعة والهندسة والتكنولوجيا والأمن والسياسة وسلاسل الإمداد واللوبيات والأسواق الدولية والأجندات الجيوسياسية.

والفشل فيها لا يعني فقط خسارة مالية؛ بل قد يعني إهدار سنوات من الوقت والموارد، وفي بعض الحالات الإضرار بالمصلحة الوطنية.

لذلك، نحتاج إلى إبعاد «المهايطة» عن هذا القطاع بطريقة عملية وراقية، ووضع معايير حقيقية للدخول والاستثمار والمنافسة.

وللحديث صلة.