روان
لم تعد النصيحة الأسرية اليوم محصورة في العيادات النفسية ومراكز الإرشاد والإصلاح الأسري، بل امتدت إلى فضاءات البث المباشر عبر منصات التواصل الاجتماعي. فالتحول الرقمي، على ما أتاحه من سهولة الوصول إلى المعرفة والمختصين، فتح المجال أمام قضايا شديدة الخصوصية، فأصبحت تُطرح في فضاء عام. وحين تنتقل المشكلات الأسرية من إطار مهني متخصص إلى إجابات سريعة أمام الجمهور، قد تصبح سهولة الوصول إلى النصيحة مصدرًا لإرباك التوازن الأسري بدلًا من أن تكون وسيلة لحمايته.
ومع هذا الانتقال، أصبح بعض الأزواج يلجؤون إلى أصحاب البثوث طلبًا للمشورة في خلافاتهم، فتُعرض المشكلة ويُقدم لها الحل خلال دقائق معدودة، وكأن أدق مشكلات الحياة الزوجية يمكن حلها في وقت قصير لا يكفي لإنقاذ أسرة. وليس كل من أمسك الميكروفون أصبح مستشارًا، وليس كل بث إصلاحًا أسريًا؛ إذن، من يحمي الأسرة من النصائح السريعة داخل البثوث؟ فلا يمكن أن تتساوى كل المشكلات في جواب واحد. وهنا لا تكمن المشكلة في استخدام التقنية، ولا في رغبة الناس في طلب المشورة، وإنما في تحويل العلاقات الإنسانية المعقدة إلى وصفات جاهزة تصلح للجميع. ومن يتابع بعض مقدمي الاستشارات عبر البثوث المباشرة يلاحظ نمطًا متكررًا؛ فالمشكلات تختلف، والناس يختلفون، لكن الإجابات تكاد تكون واحدة، وكأن الحياة الزوجية قالب واحد، وكأن آلاف البيوت يمكن أن تُدار بالعبارة نفسها، وبالرد ذاته، وبالحل نفسه.
والأكثر غرابة ليس سرعة الإجابة، بل سرعة اقتناع الجمهور بها. فالمتابعون يتلقون هذه التوجيهات وكأنها أحكام نهائية قابلة للتطبيق الفوري، مع أن لكل علاقة زوجية ظروفها الخاصة، وما يصلح لبيت قد يكون سببًا في هدم بيت آخر، وهنا تظهر فكرة ما يُعرف بالعقل الجمعي؛ فحين تتكرر الفكرة أمام جمهور كبير، ويصفق لها الناس، تبدأ باكتساب سلطة لا لأنها صحيحة بالضرورة، بل لأن كثيرين آمنوا بها. فيتحول التصفيق إلى دليل، والانتشار إلى معيار، وعدد المشاهدات إلى شهادة جودة، مع أن الحقيقة العلمية لا تُقاس بعدد المتابعين، وإنما بصحة المنهج.
الحياة الزوجية ليست سؤالًا يُجاب عنه قبل أن يكتمل طرحه؛ فهي تاريخ طويل من التربية، والطباع، والصدمات النفسية، والظروف المادية، والخلفيات الثقافية، وطريقة التعبير عن الحب، وأساليب التواصل، بل وحتى التاريخ الصحي والنفسي لكل من الزوجين. وكل هذه العناصر لا يمكن اختصارها في دقيقة أو دقيقتين من البث المباشر، ولا يكاد يوجد طبيب نفسي أو أخصائي أسري محترف يبدأ في تقديم التوجيه قبل أن يجمع المعلومات الكافية عن الحالة، ويستمع إلى التفاصيل، ويطرح الأسئلة، وربما يحتاج إلى عدة جلسات قبل أن يفهم أبعاد المشكلة وظروفها. فكيف أصبحت بعض المشكلات الزوجية تُحل خلال دقائق أمام آلاف المشاهدين؟
ويزداد الأمر تعقيدًا حين تُعرض المشكلة في البث المباشر من طرف واحد فقط. فنحن لا نسمع الزوج أو الزوجة، ولا نعرف الملابسات، ولا ندرك ما سبق الخلاف، ولا نعرف إن كانت الشكوى كاملة أم منقوصة. وقد يكون الطرف المتحدث مظلومًا، وقد يكون مخطئًا، وقد يكون نقل جزءًا من الصورة وترك أجزاء أخرى. ومع ذلك يصدر الحكم، وتُمنح الوصفة العلاجية على الفور، ويخرج آلاف المتابعين وهم يظنون أنهم تعلموا كيف تُحل المشكلات الأسرية.
العدالة في فهم النزاعات تبدأ بسماع الأطراف المعنية، لا بالاكتفاء برواية واحدة. وهذا ليس مبدأ قانونيًا فحسب، بل هو أيضًا أساس في العمل النفسي والاجتماعي. ولذلك فإن القضايا التي تمس الأسرة ينبغي أن تُناقش في بيئتها المهنية المتخصصة، على أيدي المؤهلين من المختصين النفسيين والاجتماعيين والأسريين، ووفق منهج علمي واضح، مع مراعاة الأحكام الشرعية والضوابط المهنية التي تحفظ الأسرة من التشتت، وتحفظ أسرار البيوت من أن تتحول إلى مادة يتداولها الناس في البثوث العامة.
كما أن بعض أساليب التعامل مع المشكلات الزوجية تستحق التوقف عندها؛ فهل الرد على الإهانة يكون بالمزاح؟ وهل بناء الاحترام بين الزوجين يقوم على تبادل العبارات الساخرة أو رد الكلمة بكلمة؟ إن العلاقة الزوجية ليست ساحة انتصار لغوي، ولا مباراة للردود الذكية، وإنما ميثاق غليظ يقوم على الاحترام المتبادل، وصيانة الكرامة، وإصلاح الخلل ومعالجة المشكلة بدلًا من زيادة تعقيدها.
فالبيت ليس مساحة لتجربة النصائح، ولا ينبغي أن تُسلم مشكلاته لأصحاب البثوث دون معرفة خلفيتهم العلمية والمهنية؛ فالخلاف الزوجي أكثر تعقيدًا من أن يتحول إلى سؤال عابر وجواب فوري. والنقد هنا ليس موجهًا لفكرة النصح في ذاتها، ولا للمتخصصين الذين يمارسون الإرشاد وفق الأصول العلمية والمهنية، وإنما لثقافة تحويل العلاقات الإنسانية إلى حلول فورية، وكأن الإنسان معادلة بسيطة، وكأن البيوت تُرمم بعبارة، أو تُبنى بجواب لا يستغرق سوى دقائق.
وللعلم والحكمة هيبتهما؛ فهما يصنعان في الإنسان اتزانًا في فهم حياته وقراراته. والزوجان اللذان يملكان من الوعي والحكمة ما يكفي لفهم علاقتهما، لا يسلمان تفاصيلها ونزاعاتها لغير المختصين. فلا يكفي حضور الشخص، ولا عدد متابعيه، ولا قدرته على الحديث، ليصبح مرجعًا في شؤون الأسرة، ولا ينبغي أن تحل الثقة بصاحب النصيحة محل السؤال عن علمه وتأهيله. فالزوج والزوجة أدرى بمفاتيح علاقتهما وما تراكم فيها من تفاصيل، وإن تعقدت بعض جوانبها، فالمختص المؤهل قادر على قراءتها بمنهج وعلم. وحفظ البيت من كرامة أهله، ومن حق هذه العلاقة ألا تُترك مصائرها لنصيحة عابرة ممن لا نعرف على أي علم يستند، ولا بأي تأهيل يتحدث.
ومع هذا الانتقال، أصبح بعض الأزواج يلجؤون إلى أصحاب البثوث طلبًا للمشورة في خلافاتهم، فتُعرض المشكلة ويُقدم لها الحل خلال دقائق معدودة، وكأن أدق مشكلات الحياة الزوجية يمكن حلها في وقت قصير لا يكفي لإنقاذ أسرة. وليس كل من أمسك الميكروفون أصبح مستشارًا، وليس كل بث إصلاحًا أسريًا؛ إذن، من يحمي الأسرة من النصائح السريعة داخل البثوث؟ فلا يمكن أن تتساوى كل المشكلات في جواب واحد. وهنا لا تكمن المشكلة في استخدام التقنية، ولا في رغبة الناس في طلب المشورة، وإنما في تحويل العلاقات الإنسانية المعقدة إلى وصفات جاهزة تصلح للجميع. ومن يتابع بعض مقدمي الاستشارات عبر البثوث المباشرة يلاحظ نمطًا متكررًا؛ فالمشكلات تختلف، والناس يختلفون، لكن الإجابات تكاد تكون واحدة، وكأن الحياة الزوجية قالب واحد، وكأن آلاف البيوت يمكن أن تُدار بالعبارة نفسها، وبالرد ذاته، وبالحل نفسه.
والأكثر غرابة ليس سرعة الإجابة، بل سرعة اقتناع الجمهور بها. فالمتابعون يتلقون هذه التوجيهات وكأنها أحكام نهائية قابلة للتطبيق الفوري، مع أن لكل علاقة زوجية ظروفها الخاصة، وما يصلح لبيت قد يكون سببًا في هدم بيت آخر، وهنا تظهر فكرة ما يُعرف بالعقل الجمعي؛ فحين تتكرر الفكرة أمام جمهور كبير، ويصفق لها الناس، تبدأ باكتساب سلطة لا لأنها صحيحة بالضرورة، بل لأن كثيرين آمنوا بها. فيتحول التصفيق إلى دليل، والانتشار إلى معيار، وعدد المشاهدات إلى شهادة جودة، مع أن الحقيقة العلمية لا تُقاس بعدد المتابعين، وإنما بصحة المنهج.
الحياة الزوجية ليست سؤالًا يُجاب عنه قبل أن يكتمل طرحه؛ فهي تاريخ طويل من التربية، والطباع، والصدمات النفسية، والظروف المادية، والخلفيات الثقافية، وطريقة التعبير عن الحب، وأساليب التواصل، بل وحتى التاريخ الصحي والنفسي لكل من الزوجين. وكل هذه العناصر لا يمكن اختصارها في دقيقة أو دقيقتين من البث المباشر، ولا يكاد يوجد طبيب نفسي أو أخصائي أسري محترف يبدأ في تقديم التوجيه قبل أن يجمع المعلومات الكافية عن الحالة، ويستمع إلى التفاصيل، ويطرح الأسئلة، وربما يحتاج إلى عدة جلسات قبل أن يفهم أبعاد المشكلة وظروفها. فكيف أصبحت بعض المشكلات الزوجية تُحل خلال دقائق أمام آلاف المشاهدين؟
ويزداد الأمر تعقيدًا حين تُعرض المشكلة في البث المباشر من طرف واحد فقط. فنحن لا نسمع الزوج أو الزوجة، ولا نعرف الملابسات، ولا ندرك ما سبق الخلاف، ولا نعرف إن كانت الشكوى كاملة أم منقوصة. وقد يكون الطرف المتحدث مظلومًا، وقد يكون مخطئًا، وقد يكون نقل جزءًا من الصورة وترك أجزاء أخرى. ومع ذلك يصدر الحكم، وتُمنح الوصفة العلاجية على الفور، ويخرج آلاف المتابعين وهم يظنون أنهم تعلموا كيف تُحل المشكلات الأسرية.
العدالة في فهم النزاعات تبدأ بسماع الأطراف المعنية، لا بالاكتفاء برواية واحدة. وهذا ليس مبدأ قانونيًا فحسب، بل هو أيضًا أساس في العمل النفسي والاجتماعي. ولذلك فإن القضايا التي تمس الأسرة ينبغي أن تُناقش في بيئتها المهنية المتخصصة، على أيدي المؤهلين من المختصين النفسيين والاجتماعيين والأسريين، ووفق منهج علمي واضح، مع مراعاة الأحكام الشرعية والضوابط المهنية التي تحفظ الأسرة من التشتت، وتحفظ أسرار البيوت من أن تتحول إلى مادة يتداولها الناس في البثوث العامة.
كما أن بعض أساليب التعامل مع المشكلات الزوجية تستحق التوقف عندها؛ فهل الرد على الإهانة يكون بالمزاح؟ وهل بناء الاحترام بين الزوجين يقوم على تبادل العبارات الساخرة أو رد الكلمة بكلمة؟ إن العلاقة الزوجية ليست ساحة انتصار لغوي، ولا مباراة للردود الذكية، وإنما ميثاق غليظ يقوم على الاحترام المتبادل، وصيانة الكرامة، وإصلاح الخلل ومعالجة المشكلة بدلًا من زيادة تعقيدها.
فالبيت ليس مساحة لتجربة النصائح، ولا ينبغي أن تُسلم مشكلاته لأصحاب البثوث دون معرفة خلفيتهم العلمية والمهنية؛ فالخلاف الزوجي أكثر تعقيدًا من أن يتحول إلى سؤال عابر وجواب فوري. والنقد هنا ليس موجهًا لفكرة النصح في ذاتها، ولا للمتخصصين الذين يمارسون الإرشاد وفق الأصول العلمية والمهنية، وإنما لثقافة تحويل العلاقات الإنسانية إلى حلول فورية، وكأن الإنسان معادلة بسيطة، وكأن البيوت تُرمم بعبارة، أو تُبنى بجواب لا يستغرق سوى دقائق.
وللعلم والحكمة هيبتهما؛ فهما يصنعان في الإنسان اتزانًا في فهم حياته وقراراته. والزوجان اللذان يملكان من الوعي والحكمة ما يكفي لفهم علاقتهما، لا يسلمان تفاصيلها ونزاعاتها لغير المختصين. فلا يكفي حضور الشخص، ولا عدد متابعيه، ولا قدرته على الحديث، ليصبح مرجعًا في شؤون الأسرة، ولا ينبغي أن تحل الثقة بصاحب النصيحة محل السؤال عن علمه وتأهيله. فالزوج والزوجة أدرى بمفاتيح علاقتهما وما تراكم فيها من تفاصيل، وإن تعقدت بعض جوانبها، فالمختص المؤهل قادر على قراءتها بمنهج وعلم. وحفظ البيت من كرامة أهله، ومن حق هذه العلاقة ألا تُترك مصائرها لنصيحة عابرة ممن لا نعرف على أي علم يستند، ولا بأي تأهيل يتحدث.