تعرف ذلك الشخص الذي تزف إليه خبرا جميلا، فيهز رأسه كأنك أخبرته بموعد اجتماع. تغضبه، فيصمت. تمدحه، فيبتسم نصف ابتسامة. يشتاق فلا يقول، ويتألم فلا يظهر، ويفرح كأن الفرح شأن داخلي لا يحتاج شاهدا. وقد يرى في هذا كله رزانة، كأن قوة الشخصية تحتاج وجها لا يتغير، وصوتا لا يكشف كثيرا، وقلبا يؤدي عمله في الداخل من غير أن يفضح شيئا مما يجري فيه.
وضبط المشاعر مطلوب. الغاضب الذي يختار كلماته أنضج من الغاضب الذي يترك غضبه يتكلم نيابة عنه. لكن شيئا آخر قد يحدث حين يطول التدريب على الصمت: يتعلم الإنسان كيف يخفي الشعور، ثم يضعف بالتدريج في التعرف إليه.
يبدأ الأمر صغيرا. الطفل يسمع: لا تبك. الشاب يسمع: كن قويا. الرجل يسمع: لا تظهر حاجتك لأحد. تتكرر العبارات حتى يتعلم الإنسان أن بعض المشاعر ينبغي أن تمر سريعا من غير أن يتوقف عندها. وبعد سنوات قد يعرف أنه متضايق، ولا يعرف مم. يشعر بثقل في صدره، ويعجز عن إعطائه اسما.
تخيل أبا يحب ابنه حبا عميقا. يعمل من أجله، يقلق إذا تأخر، يسأل عنه إذا مرض، ويتابع تفاصيل حياته. الأب مطمئن إلى أن حبه واضح، فهو يراه في كل ما يفعله. الابن يرى الأفعال نفسها، لكنه قد يكبر وفي داخله سؤال لم يجد جوابا صريحا:
هل أبي فخور بي؟ هل أنا قريب من قلبه؟
الأب يعرف الإجابة. الابن لا يعيش داخل أبيه. ونحن نفعل الشيء نفسه أكثر مما نتصور. نعرف ما في صدورنا، ثم نعامل الناس كأنهم حصلوا على نسخة منه. نحب بصمت، ونشتاق بصمت، ونرضى بصمت، ثم نستغرب حين يقرأ أحدهم صمتنا بطريقة لم تخطر لنا.
قد يقول شخص: أفعالي تكفي. وهي تقول كثيرا، لكنها لا تحمل معنى واحدا دائما. السؤال المتكرر قد يراه أحدهم اهتماما ويراه آخر مراقبة. الصمت قد يفهم رضا أو فتورا. القرب قد يكون محبة، وقد يصبح مع السنين عادة لا يعرف أحد معناها. كلمة واحدة أحيانا توفر على قلبين سنوات من التخمين.
المسألة أعمق من سوء فهم الآخرين لنا. فالإنسان الذي يعتاد إخفاء شعوره عن الناس قد يصبح هو نفسه أقل قدرة على رؤيته. تسأله: ماذا تشعر؟ فيخبرك بما حدث. تعيد السؤال، فيشرح لك ما سيفعله. تقول له: أعرف القصة، ماذا تشعر أنت؟ فيتوقف.
يستطيع تحليل الموقف، وشرح دوافع الناس، وربما فهم مشاعر كل من حوله. وعندما يصل الحديث إليه تصبح الكلمات أقل طواعية. لقد قضى وقتا طويلا وهو يتجاوز الشعور قبل أن يتعرف إليه.
ولهذا نفاجأ أحيانا بغضب لا يشبه سببه. يضايق رجل من زميله تصرف صغير فيسكت. يتكرر التصرف فيسكت. تدخل الأشياء إلى داخله واحدة بعد أخرى من غير أن يقف معها. ثم يأتي يوم يضع فيه الزميل ملفا في غير مكانه، فينفجر الرجل أمام الجميع.
وينظر الحاضرون إلى الملف بدهشة.
والحقيقة أن الملف بريء تقريبا. جاء فقط في اللحظة التي امتلأ فيها المكان. لم يكن الرجل يخفي اعتراضه عن زميله وحده. كان يؤجله داخل نفسه أيضا، حتى فقد القدرة على معرفة حجمه. والمشاعر حين تتأخر لا تحفظ شكلها دائما. قد يخرج الحزن فتورا، والخوف غضبا، والاحتياج انسحابا، وتخرج خيبة صغيرة في نبرة قاسية لا يعرف صاحبها لماذا كانت قاسية إلى هذا الحد.
ربما كانت القوة في بعض المواقف أبسط مما نتصور:
أن يعرف الإنسان ما يجري فيه، وأن يمنحه اسما قبل أن يتركه يتراكم.
أن يقول لمن يحب: افتقدتك. ولمن أحسن إليه: أسعدني ما فعلت. ولابنه: أنا فخور بك. ولمن آذاه: أغضبني هذا.
كلمات قليلة، لكنها تنقذ العلاقات من كثير من التخمين، وتنقذ الإنسان أحيانا من أن يصبح غريبا عما يدور في داخله.
وأشد ما يفعله الوجه الذي لا يتغير، أنه قد يقنع الناس أنك بخير، ثم يطول به المقام حتى تصدقه أنت.
وضبط المشاعر مطلوب. الغاضب الذي يختار كلماته أنضج من الغاضب الذي يترك غضبه يتكلم نيابة عنه. لكن شيئا آخر قد يحدث حين يطول التدريب على الصمت: يتعلم الإنسان كيف يخفي الشعور، ثم يضعف بالتدريج في التعرف إليه.
يبدأ الأمر صغيرا. الطفل يسمع: لا تبك. الشاب يسمع: كن قويا. الرجل يسمع: لا تظهر حاجتك لأحد. تتكرر العبارات حتى يتعلم الإنسان أن بعض المشاعر ينبغي أن تمر سريعا من غير أن يتوقف عندها. وبعد سنوات قد يعرف أنه متضايق، ولا يعرف مم. يشعر بثقل في صدره، ويعجز عن إعطائه اسما.
تخيل أبا يحب ابنه حبا عميقا. يعمل من أجله، يقلق إذا تأخر، يسأل عنه إذا مرض، ويتابع تفاصيل حياته. الأب مطمئن إلى أن حبه واضح، فهو يراه في كل ما يفعله. الابن يرى الأفعال نفسها، لكنه قد يكبر وفي داخله سؤال لم يجد جوابا صريحا:
هل أبي فخور بي؟ هل أنا قريب من قلبه؟
الأب يعرف الإجابة. الابن لا يعيش داخل أبيه. ونحن نفعل الشيء نفسه أكثر مما نتصور. نعرف ما في صدورنا، ثم نعامل الناس كأنهم حصلوا على نسخة منه. نحب بصمت، ونشتاق بصمت، ونرضى بصمت، ثم نستغرب حين يقرأ أحدهم صمتنا بطريقة لم تخطر لنا.
قد يقول شخص: أفعالي تكفي. وهي تقول كثيرا، لكنها لا تحمل معنى واحدا دائما. السؤال المتكرر قد يراه أحدهم اهتماما ويراه آخر مراقبة. الصمت قد يفهم رضا أو فتورا. القرب قد يكون محبة، وقد يصبح مع السنين عادة لا يعرف أحد معناها. كلمة واحدة أحيانا توفر على قلبين سنوات من التخمين.
المسألة أعمق من سوء فهم الآخرين لنا. فالإنسان الذي يعتاد إخفاء شعوره عن الناس قد يصبح هو نفسه أقل قدرة على رؤيته. تسأله: ماذا تشعر؟ فيخبرك بما حدث. تعيد السؤال، فيشرح لك ما سيفعله. تقول له: أعرف القصة، ماذا تشعر أنت؟ فيتوقف.
يستطيع تحليل الموقف، وشرح دوافع الناس، وربما فهم مشاعر كل من حوله. وعندما يصل الحديث إليه تصبح الكلمات أقل طواعية. لقد قضى وقتا طويلا وهو يتجاوز الشعور قبل أن يتعرف إليه.
ولهذا نفاجأ أحيانا بغضب لا يشبه سببه. يضايق رجل من زميله تصرف صغير فيسكت. يتكرر التصرف فيسكت. تدخل الأشياء إلى داخله واحدة بعد أخرى من غير أن يقف معها. ثم يأتي يوم يضع فيه الزميل ملفا في غير مكانه، فينفجر الرجل أمام الجميع.
وينظر الحاضرون إلى الملف بدهشة.
والحقيقة أن الملف بريء تقريبا. جاء فقط في اللحظة التي امتلأ فيها المكان. لم يكن الرجل يخفي اعتراضه عن زميله وحده. كان يؤجله داخل نفسه أيضا، حتى فقد القدرة على معرفة حجمه. والمشاعر حين تتأخر لا تحفظ شكلها دائما. قد يخرج الحزن فتورا، والخوف غضبا، والاحتياج انسحابا، وتخرج خيبة صغيرة في نبرة قاسية لا يعرف صاحبها لماذا كانت قاسية إلى هذا الحد.
ربما كانت القوة في بعض المواقف أبسط مما نتصور:
أن يعرف الإنسان ما يجري فيه، وأن يمنحه اسما قبل أن يتركه يتراكم.
أن يقول لمن يحب: افتقدتك. ولمن أحسن إليه: أسعدني ما فعلت. ولابنه: أنا فخور بك. ولمن آذاه: أغضبني هذا.
كلمات قليلة، لكنها تنقذ العلاقات من كثير من التخمين، وتنقذ الإنسان أحيانا من أن يصبح غريبا عما يدور في داخله.
وأشد ما يفعله الوجه الذي لا يتغير، أنه قد يقنع الناس أنك بخير، ثم يطول به المقام حتى تصدقه أنت.